شرح
للفقراء أخذ المال من المالك قهراً - كما ليس لزيد المنذور له المال وإن لم يكن صدقة ذلك أيضاً - ومنعه من التصرف بحيث لا يكون المالك مستولياً على المال ، وأين هذا من حق المرتهن الذي يكون الرهن بالنسبة له وثيقة ضمان لماله وفي قبضته ، فهو موجب لخروج العين عن استيلاء المالك ومنعه من التصرف بما ينافي حق المرتهن من البيع ونحوه ، وعليه فليس النذر مقتضياً إلاّ وجوب الوفاء به ، ولا يوجب ذلك نقصاً فيه بحال من الأحوال .
واستدل عليه رابعاً ( 1 ) بأن التصدق وهو الفعل المتعلق به النذر بما أنه جعل لله سبحانه فهو ملك له تعالى ، وموضوع هذا التصدق الذي هو ملك لله هو المال ، فهو حق الله تعالى ، وهو موجب لقصور الملكية وقطع الحول وانصراف أدلة الزكاة ( 2 ) .
وفيه أوّلاً : أن النذر كما يأتي في مبحث نذر الحج ( 3 ) لا يوجب تمليكاً لله بوجه ، بل ليس هو إلاّ التزام التزم به الناذر على نفسه وأوجبه عليه الله سبحانه ، فإن قوله : « لله عليّ » كقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) فكما لا يوجب أن يكون الحج في الآية المباركة مملوكاً لله كملكية الأموال للناس ، لا يوجب أن يكون النذر بقول الناذر « لله عليّ » أن يكون الفعل المنذور وهو التصدق مملوكاً لله تعالى حتّى يكون موضوعه المال حتّى يكون المال ناقصاً .
وثانياً : على فرض الالتزام بذلك في الآية المباركة فلا يمكن الالتزام به في النذر ، لأن هذه الملكية إنما وجدت بعمل الناذر وبجعل ثانوي ، لا أنها حكم أوّلي كما في آية الحج ، ولابدّ في الحكم الثانوي أن يلتفت المكلف إلى ذلك ويقصده ويفرضه على نفسه فيكون ذلك ملكاً لله بالجعل الثانوي ، وليس أحد من الناذرين ملتفتاً إلى هذا المعنى بنحو يقصد أن يجعل التصدق ملكاً لله كما يقصد أن يجعل هذا المال ملكاً لزيد بعنوان الهبة ويبرزه بمبرز ، وإنما غاية فعل الناذر هو الالتزام والايجاب على نفسه بفعل من الأفعال لله سبحانه ، وأي ربط بين هذا وبين التمليك .
هامش
( 1 ) المستدل بهذا الوجه السيد الحكيم ( قدس سره ) في المستمسك 9 : 35 ، وفي طبعة بيروت 9 : 24 ، مسألة 12 ] 2624 [ .
( 2 ) نص عبارة السيد الحكيم ( قدس سره ) هي : « أن معنى قول الناذر : ( لله عليّ أن أتصدق بمالي على الفقراء ) إنشاء الملكية لله سبحانه لأن يتصدق به ، ولأجل أن التصدق المملوك موضوعه المال يكون المال موضوع حق الله سبحانه ، إذ لا نعني بكون الشيء موضوع حق إلاّ كونه موضوع فعل مملوك لذي الحق » المستمسك 9 : 24 طبعة بيروت .
( 3 ) تقدم ذلك في مباحثنا في الواضح الجزء الأوّل من الحج ص 355 . ويأتي في موسوعة الإمام الخوئي 26 : 328 في المسألة 8 ] 3115 [ .