شرح
وما ذكره صاحب الحدائق هو الموَجّه والصحيح لولا صحيحة في المقام قاضية بالجمع بينهما بالحمل على الاستحباب ، وهي صحيحة علي بن مهزيار ، قال : « قرأت في كتاب عبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قال : وضع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الزكاة على تسعة أشياء : الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، والذهب والفضّة ، والغنم والبقر والإبل ، وعفا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عمّا سوى ذلك ، فقال له القائل : عندنا شيء كثير يكون أضعاف ذلك ، فقال : وما هو ؟ فقال له : الاُرز ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أقول لك : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وضع الزكاة على تسعة أشياء وعفى عمّا سوى ذلك ، وتقول : عندنا اُرزٌ وعندنا ذرة ، وقد كانت الذرة على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ! فوقّع ( عليه السلام ) كذلك هو ، والزكاة على كلّ ما كيل بالصاع . قال : وكتب عبد الله : وروى غير هذا الرجل ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّه سأله عن الحبوب ؟ فقال : وما هي ؟ فقال : السمسم والاُرز والدخن ، وكلّ هذا غلّة كالحنطة والشعير ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : في الحبوب كلّها زكاة ، وروي أيضاً عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّه قال : كلّ ما دخل القفيز فهو يجري الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، قال : فأخبرني جعلت فداك ، هل على هذا الأرز وما أشبهه من الحبوب الحمص والعدس زكاة ؟ فوّقع ( عليه السلام ) : صدّقوا الزكاة في كل شيء كِيل » ( 1 ) . وهذه الصحيحة التي صدّق فيها ( عليه السلام ) الطائفتين معاً بتوقيعه « كذلك هو ، والزكاة على كل ما كيل بالصاع » ليس له وجه صحيح إلاّ حمل الطائفة الثانية على الاستحباب في غير التسع ، وكيف يمكن حمل ما صدقه ( عليه السلام ) - بقوله المتقدم وقوله « صدّقوا الزكاة في كل شيء كيل » - على التقية ؟ ! فإن موضوعها هو الخبران المتعارضان لا المصدقان .
هامش
التقية المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه 13 : 104 . ثمّ إن جمهور المخالفين أوجبوا الزكاة في جميع ما يزرع سوى الحطب والحشيش والقصب كما فيما حكاه في عمدة القارئ 9 : 73 عن أبي حنيفة وزفر ، وأوجبها الشافعي في كل ما يصان ويدّخر . الأم 2 : 23 . وأوجبها أحمد في جميع الثمار والحبوب التي تكال وتدّخر إلاّ الجوز على ما حكاه عنه في الانصاف 3 : 86 . وأوجبها أبو يوسف في كل ما له ثمرة باقية ، كما حكاه عنه في عمدة القارئ 9 : 86 . وأوجبها مالك في الحبوب كلها ، الموطأ 1 : 271 . وعلى كل حال ، الحمل على التقية فرع عدم إمكان الجمع بين الطائفتين ، حيث يكونا متعارضين فيؤخذ بما خالف العامة ، وأما لو كان الجمع العرفي فيهما ممكن ولو لشاهد عليه كما في المقام على ما سيأتي ، فليسا هما من المتعارضين الذي يؤخذ بما خالف العامة منهما ، ويكون ما وافق العامة صادراً تقية .
( 1 ) الكافي 3 : 510 / 3 ، وقطّعها صاحب الوسائل فذكر صدرها في ج 9 : 55 باب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب ح 6 ، وذيلها في باب 9 منه ص 61 ح 1 .