شرح
إذن فوجوب الخمس شيء وتحصيله وأخذه قهراً بواسطة الجباة شيء آخر ، فعدم الثاني لا يدل على عدم الأوّل .
ورابعاً : لم يعلم أن الخمس على النحو المذكور من كونه على نحو الملك الشخصي له ( صلى الله عليه وآله ) ولأقربائه من بني هاشم غير مبلّغ في عهد الرسول الأكرم ، وأن أحداً لم يكن يعطي الخمس ، فإن الانصاف أنه لم يتضح أنه في عصره ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن مبلغاً ، فإن الفاصل الزمني الكبير بيننا وبين عصر الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وتخلله حكومة بني اُمية بمدتها الطويلة التي أرجعت الناس إلى الجاهلية ، من الطبيعي أن يقتضي ذلك كله خفاء جملة من أحكام الدين ، إذ إن كثيراً من الناس لم يكونوا يعرفون وجوب الزكاة على ما في كتب التاريخ والحديث مع أن وجوبها ثابت بنص القرآن الكريم ، وكثير منهم لم يكونوا يعلمون بالأحكام الضرورية للدين كأعداد الفرائض ، كما في بعض أهل الشام على ما ذكره ابن حزم والنسائي في سننه ( 1 ) ، بل عن ابن سعد في الطبقات أن الناس لم يكونوا يعرفون مناسك حجهم ، وعلى ما رواه ابن حزم عن ابن عباس أنه عند خطبته في أهل البصرة لم يكونوا يعرفون زكاة الفطرة ، فأمر ابن عباس من معه بتعليمهم ( 2 ) .
وخامساً : ورد وجوب الخمس في الأرباح عند أبناء العامّة أيضاً ، ففي حكاية مجيء رجل من عبد قيس إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وعند إرادته الانصراف طلب من النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أن يأمره بما فيه صلاحه فأمره بالصلاة والصيام والزكاة والخمس مما غنم ( 3 ) ولا شك أنه ليس المراد خمس غنائم دار الحرب ، إذ ليس لعبد قيس محاربة مع
هامش
( 1 ) سنن النسائي بشرح السيوطي 1 : 230 .
( 2 ) أخرج الزيعلي عن الحسن عن ابن عباس « أنه خطب في آخر رمضان على المنبر بالبصرة ، فقال : أخرجوا صدقة صومكم ، فكأن الناس لم يعلموا ، قال : مَن هنا من أهل المدينة ؟ قوموا إلى إخوانكم فعلّموهم فإنهم لا يعلمون فرض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هذه الصدقة صاعاً من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك وذكر أو أنثى صغير أو كبير » نصب الراية 2 : 418 الطبعة الاُولى 1357 ، وكذا في سنن أبي داود 2 : 114 بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد ، وفي مسند أحمد : رقم 2018 « فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض » ، سنن الدارقطني : 225 .
( 3 ) ففي صحيح البخاري « حدّثنا حجاج حدّثناحمّاد بن زيد حدّثنا أبو حمزة قال : « سمعت ابن عباس ( رحمه الله ) يقول : قَدِمَ وفد عبد القيس على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فقالوا : يا رسول الله إن هذا الحي من ربيعة قد حالت بيننا وبينك كفار مضر ولسنا نخلص إليك إلاّ في الشهر الحرام ، فمرنا بشيء نأخذه عنك وندعو إليه مَن وراءنا ، قال : آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ، الايمان بالله وشهادة أن لا إله إلاّ الله - وعقد بيده هكذا - وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإن تودوا خمس ما غنمتم ، وأنهاكم عن . . . » صحيح البخاري 2 : باب وجوب الزكاة ص 31 طبعة دار إحياء التراث العربي ، وفي طبعة اُخرى ح 2 : 216 . وكذا في سنن الترمذي 5 : 8 / 2611 .