شرح
فإنه كان على المكلف المبيت في منى النصف الثاني من الليل عبادة الله سبحانه فيبدله بعبادة اُخرى فإنه في طاعة الله عزّوجل ، وإلاّ لم يكن لهذا التعليل وجه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) هذا مؤكد لما قلناه في الهامش المتقدم .
ثمّ قد يقال : إن مقتضى الالتزام بهذا التعليل جواز الاكتفاء بالاشتغال بالعبادة قبيل الغروب إلى منتصف الليل ، لأنه أيضاً من تبديل عبادة النصف الأوّل من المبيت بعبادة اُخرى .
وفيه : إن خصوصية « حتى يطلع الفجر » مقتضية لاختصاص ذلك بالنصف الثاني ، فمقتضى التعليل بتبديل عبادة بعبادة عدم اختصاص العبادة بالطواف والسعي والدعاء ، بل هو شامل لكل عبادة وإن كانت هي صلة الرحم ، فلا يكون لقوله « شغلك نسكك » خصوصية ، بل هو أحد أفراد العبادة ، ولذا لا يشمل التعليل من وجب عليه الصيام فأفطر وهو في حال عبادة ، كما لو كان حال نظره إلى الكعبة ، أو حال صلة رحمه ، أو حال طوافه وسعيه ، بدعوى أنه من تبديل عبادة بعبادة .
ثمّ إن قوله : « حتى يطلع الفجر » مقيد لنصف الليل - الذي هو حدّ للمبدل منه وبدله - بنصف الليل الذي يكون
ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر ، فإن نصف الليل عند السيد الاُستاذ في غير جهة المبيت في منى هو نصف ما بين غروب الشمس وطلوعها ، ولذا قال في المسألة 502 من المنهاج « ونصف الليل منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها » المنهاج ج 1 : 132 ولذا وقت صلاة الليل من منتصفه - الذي هو ما بين الغروب وطلوع الشمس حتّى في منى - لا إلى الفجر الصادق ، إلاّ أنّه في منى سواء في البدل أو المبدل منه - أي سواء في المبيت أو
العبادة في النصف الثاني بمكّة - نصف الليل هو ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر لا وطلوع الشمس ، واستدل عليه في محله بما لا مزيد عليه ، وملخصه : أن للغسق الذي في قوله تعالى : ( أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ ) بحسب اللغة معنيين الأوّل : ظلمة أوّل الليل ، الثاني : شدة ظلام الليل كما في مجمع البحرين
مادة غسق ، والروايات الواردة في تفسير الآية معينة للمعنى الثاني ، ففي صحيحة زرارة « . . . وغسق الليل
هو انتصافه » وفي صحيحة بكر بن محمّد « . . . غسق الليل يعني نصف الليل » الوسائل ج 4 : 10 باب 2 من أبواب اعداد الفرائض ح 1 ، وص 174 باب 16 من أبواب المواقيت ح 6 . ومعنى شدة ظلام الليل هو في قبال شدة
نور النهار ، وشدة نور النهار هو بلوغ الشمس دائرة نصف النهار ، فيصل النور حينئذ إلى قمته لأنه نهاية
اقتراب الشمس من الأرض في قوس النهار ، فشدة ظلام الليل هي لنعبر عنها بدائرة نصف الليل فهي نصف ما
بين غروب الشمس وطلوعها ، والفرق بينها وبين نصف ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر يختلف باختلاف الفصول ، وقد يكون في بعضها ثلاثة أرباع الساعة قبل نصف ما بين الغروب وطلوع الشمس ، وحينها لم يكن
قد تحققت غاية الظلام . وأيد ذلك بأن المتافهم العرفي من هذه اللفظة عند الاطلاق هو نصف ما بين الغروب وطلوع الشمس ، كما أن نصف النهار عندهم هو نصف ما بين طلوع الشمس وغروبها ، لا نصف ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس . وأيد ذلك أيضاً بروايتين ضعيفتين سنداً وواضحتين دلالة . موسوعة الإمام الخوئي 11 : 188 - 190 .