شرح
فإن ظاهر هذه الروايات وغيرها دال على عدم جواز الادماء للمُحرم .
وبإزاء ذلك روايتان .
إحداهما : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ( عليه السلام ) قال : « سألته عن المُحرم هل يصلح له أن يستاك ؟ قال : لا بأس ، ولا ينبغي أن يدمي فمه » ( 1 ) بدعوى أنّ كلمة « لا ينبغي » ظاهرة في الرجحان فيدل على الجواز ، فتحمل على الكراهة .
وفيه : تقدم مراراً أن كلمة « لا ينبغي » إن لم تكن ظاهرة في الحرمة فلا أقل من أنها غير ظاهرة في الجواز ، فلا تكون معارضة لما دل على الجواز .
الثانية : صحيحة معاوية بن عمّار قال : « قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : المُحرم يستاك ؟ قال : نعم ، قلت : فإن أدمى يستاك ؟ قال : نعم ، هو من السنة » ( 2 ) وهذه الرواية وردت في خصوص الاستياك وأن الادماء معه لا بأس به ، ومقتضى ذلك تخصيص ما دل على عدم جواز الادماء بغير الاستياك .
ولكن روى هذه الرواية الكليني ( 3 ) وقال بعدها بلا فصل : « وروى أيضاً لا يستدمي » بصيغة المعلوم ، أو « وروي أيضاً لا يستدمي » بصيغة المجهول .
أقول : إن كان ذلك بصيغة المجهول « رُوي » فهي مرسلة من الكليني ليست بحجة فلا تكون معارضة ، وإن كان بصيغة المعلوم أي « روى » معاوية بهذا السند أيضاً « لا يستدمي ، أي لا يطلب خروج الدم فيكون تفصيلاً في المسألة وهو : إن كان قاصداً للاستدماء فلا يجوز وإلاّ فيجوز ، فيختص الجواز على هذا بصورة عدم العلم بخروج الدم ، ولأجل ذلك كان الاحتياط في ترك الاستياك مع العلم بخروج الدم ، وأما غير الاستياك من أقسام ما يخرج به الدم من حك أو غيره فهو غير جائز .
وأما كفّارة إخراج الدم أو الحجامة فلم يذكر في شيء من الروايات ، وقد تقدم أن ما لا نص فيه على الكفّارة ليس فيه كفّارة ، لعدم دليل في البين يدل على ثبوتها بمجرد ارتكاب شيء من المحرمات ، وإن كانت أحوط لرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) التي فيها « خرجت » أو « جرحت » ( 4 ) .
هامش
( 1 ) الوسائل ج 12 : 534 باب 73 من أبواب تروك الإحرام ح 5 .
( 2 ) الوسائل ج 12 : 561 باب 92 من أبواب تروك الإحرام ح 1 .
( 3 ) الكافي 4 : 366 / 6 .
( 4 ) قال : « لكلّ شيء خرجت « جرحت » من حجّتك فعليك فيه دم تهريقه حيث شئت » الوسائل ج 13 : 158 باب 8 من أبواب بقية كفارات الإحرام ح 5 .