شرح
والصحيح في المقام الثاني والثالث أن يقال : إن هاتين الصحيحتين - أعني صحيحة منصور وصحيحة معاوية - هما المنظور اليهما في موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة الدالة على جواز الذبح في أي مكان ولو كان بعد الرجوع إلى أهله ، ولا شك في أن سؤال إسحاق ليس له نظر إلى خصوص الحج في مقابل العمرة ، بل المراد مطلق ما يجب عليه من الدم وأنه أي مكان يراق ، سيما وأن الحج أهم من العمرة ، فإذا كان الحكم ثابتاً في الحج ثبت في العمرة بطريق أولى . وعلى كل حال ، الاطلاق في موثقة إسحاق دال على عموم الحكم للحج والعمرة ، وما دل على لزوم الذبح في مكة أو منى كما في الصحيحتين المتقدمتين وإن كان خاصاً بالعمرة ( 1 ) إلاّ أنّه مع ذلك لابدّ من تقديم إطلاق موثقة إسحاق ، وذلك لأن سؤال السائل إنما هو عن إجزاء الذبح إذا رجع إلى أهله بعد المفروغية عن جواز الذبح بمكّة أو منى ، فيكون هذا الدليل وهو موثقة إسحاق ناظراً إلى ذلك الدليل - أي صحيحة منصور وصحيحة معاوية - وحاكماً عليه ، فيؤخذ بالاطلاق ويحكم بجواز الذبح في أي مكان حتى في عمرة التمتع ، بل في العمرة المفردة أيضاً ، إذ لا خصوصية لها ، والحكم بالتخيير كان من جهة طبيعي العمرة على ما نطقت به صحيحة معاوية بن عمار الواردة في المقام الثالث ، هذا .
ويؤكد الحكومة المزبورة ما في رواية الكليني من الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) حيث إن فيها « وقلت لأبي إبراهيم ( عليه السلام ) : الرجل يخرج من حجّته ما يجب عليه الدّم ولا يهريقه حتى يرجع إلى أهله ، فقال : يهريقه في أهله . . . » ( 2 ) فإنها موجبة للاطمئنان بأن نظر الراوي إلى أنه كان يلزمه ولم يذبح في مكة أو منى أيجزيه أن يهريقه إذا رجع إلى أهله فقال ( عليه السلام ) : نعم ، وعليه فهو مخير في الذبح في أي مكان شاء وتحمل الصحيحتان المتقدمتان ( 3 ) على استحباب الذبح في مكّة أو منى على أنه لم يعمل بهما المشهور من الأصحاب كما عرفت ، هذا .
ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في بعض الروايات من تجويز ذلك صريحاً كمرسلة أحمد بن محمّد عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلاّ فداء الصيد فإن الله عزّ وجلّ يقول : ( هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) ( 4 ) فما ذكره صاحب المدارك من عدم اختصاص الذبح بمكان خاص في الحج
هامش
( 1 ) اما المفردة أو المتمتع بها . وقد يقال بالتخصيص لقانون حمل المطلق على المقيد ، إلاّ أنه لا يمكن أن يقال به ، بل لابدّ من تقديم إطلاق موثقة إسحاق لأجل أنها حاكمة على صحيحتي منصور ومعاوية ولزوم العمل بالدليل الحاكم .
( 2 ) الكافي 4 : 488 / 4 ، الوسائل ج 14 : 90 باب 5 من أبواب الذبح ح 1 .
( 3 ) أي صحيحة منصور ومعاوية .
( 4 ) الوسائل ج 13 : 96 باب 49 من أبواب كفارات الصيد ح 3 .