شرح
الروايات في المسألة السابقة الدالة على أن كفّارة الصيد تذبح في العمرة بمكّة .
ثمّ إنه لو عارض صحيحة منصور هذه صحيحتا البزنطي المتقدمتان الواردتان في أن كفّارة التظليل تذبح بمنى ، المطلقتان من حيث وقوع التظليل في الحج أو العمرة المفردة أو المتمتع بها ، فإن النسبة بينهما وبين صحيحة منصور العموم من وجه ، فإن صحيحة منصور شاملة للتظليل وغيره ، كما أن صحيحتي البزنطي الواردتين في التظليل شاملتان للعمرة المفردة وغيرها ، فيسقط الاطلاقان في المفردة ، ويدور الأمر بين التعيين بمنى والتخيير بين مكّة ومنى ، ومقتضى الأصل في مثل ذلك التخيير والبراءة من التعيين ، هذا . وسيأتي أن الصحيح هو أن صحيحة منصور بن حازم محكومة لموثقة إسحاق بن عمّار المتقدمة ولزوم العمل بالموثقة التي هي الدليل الحاكم .
وأما البحث في المقام الثالث : أي بالنسبة إلى عمرة التمتع فقد ورد في صحيحة معاوية بن عمار أن محل الذبح مكّة إلاّ أن يؤخّرها إلى الحج فتكون بمنى ، قال : « قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) وسألته عن كفّارة المعتمر أين تكون ؟ قال : بمكّة إلاّ أن يؤخّرها إلى الحجّ فتكون بمنى . وتعجيلها أفضل وأحب إليّ » ( 1 ) وقوله ( عليه السلام ) : « إلاّ أن يؤخرها إلى الحج فتكون بمنى » دال على أن العمرة عمرة تمتع ، إذ لا معنى لأن يقال في العمرة المفردة : إن شاء أخرها إلى الحج ( 2 ) ، فالرواية دالة على أن محل ذبح كفّارة عمرة التمتع نفس مكان ذبح كفّارة العمرة المفردة مخير بين مكّة ومنى ، وأن الحكم إنّما هو لطبيعي العمرة ، إلاّ أن المشهور لم يلتزموا بذلك ، بل افتوا بوجوب الذبح في مكّة في العمرة المفردة وفي التمتع بها معاً ، كما كان هو الحال في فداء الصيد ، ولم يعملوا بهاتين الصحيحتين ، وليس إعراضهم بمسقط لهما عن الحجية ، فيلتزم فيهما - المفردة والمتمتع بها - بالتخيير لعين ما ذكرنا في العمرة المفردة من العمل بالنص ، أو الرجوع إلى أصالة البراءة بعد فرض معارضته بصحيحتي البزنطي ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الوسائل ج 13 : 89 باب 4 من أبواب الذبح ح 4 .
( 2 ) وأما ورود هذا التعبير في صحيحة منصور بن حازم والحال إنها واردة في العمرة المفردة فسيأتي تعرض السيّد الأستاذ له بعنوان بقي شيء .
( 3 ) فإنه أيضاً لو فرض في معارضة صحيحتي البزنطي - الدالتين على لزوم الذبح في منى وفي كفّارة التظليل المطلقتين من حيث كون ذلك في الحج أو العمرة ، في العمرة المفردة أو المتمتع بها - مع صحيحة معاوية بن عمّار الدالة على التخيير في الذبح بين مكّة ومنى المطلقة من حيث كون الموجب للكفارة هو التظليل أو غيره - غير الصيد - فيتعارضان في التظليل في عمرة التمتع ، ومقتضى صحيحتي البزنطي لزوم الذبح في منى ، ومقتضى صحيحة معاوية التخيير بين مكّة ومنى ، وبعد التساقط يرجع إلى أصل البراءة القاضي بجواز الذبح مخيراً والبراءة عن التعيين .