شرح
استدل للمشهور بصحيحة مسمع عن أبي إبراهيم ( عليه السلام ) : « في رجل وقف مع الناس بجمع ، ثمّ أفاض قبل أن يفيض الناس ، قال : إن كان جاهلاً فلا شيء عليه ، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة ( 1 ) بدعوى أن الإفاضة قبل الفجر موجبة لصحّة الحج وجبره بشاة .
وفيه : أن الاستدلال بها متوقف على أن يكون الحكم الثاني حكماً للعالم العامد ، فكأنه ( عليه السلام ) ذكر حكمين حكم الجاهل وحكم العالم العامد ، فقال : إن كان جاهلاً فلا شيء عليه ، وإن كان قد أفاض قبل طلوع الفجر عالماً عامداً فعليه شاة .
وذكر صاحب الحدائق ( 2 ) أن الرواية غير ناظرة إلى بيان حكم العالم العامد ، وإنما هي واردة في الجاهل ، ففصّل ( عليه السلام ) بين ما إذا كانت الإفاضة بعد الفجر وما إذا كانت قبله - ولم يفصل بين الجاهل والعالم العامد - وذلك فإن موضوع الرواية المفروض فيها أنّه وقف مع الناس ، ومعلوم أن الوقوف الواجب إنما هو بين الطلوعين وهو المتعارف ، ولكنه أفاض قبل أن يفيض الناس أي بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس بمقدار معتد به ، فأجاب ( عليه السلام ) : أنه إن كان جاهلاً فالوقوف وإن كان واجباً إلاّ أن الجهل عذر ، ولكنه تدارك ( عليه السلام ) فقال : ولو كانت الإفاضة قبل الفجر فعليه شاة . إذن فموضوع الكلام هو الجاهل ، تارة يفيض قبل الفجر ، واُخرى بعد الفجر ، وعليه فالرواية ناظرة إلى حكم الجاهل لا العالم العامد ، فلا دليل على صحّة حج من أفاض قبل الفجر عالماً عامداً ، فيدخل تحت الروايات الدالة على أن من فاته الوقوف في المشعر فقد فاته الحج ، أو من لم يدرك المشعر فلا حج له . ومع التنزل لا أقل من كون الرواية مجملة من جهة التفصيل بين الجاهل وغيره .
وما ذكره ( قدس سره ) متين جدّاً ، ويؤكد كون صحيحة مسمع واردة في الجاهل ما ورد في صحيحة علي بن رئاب - على طريق الشيخ الصدوق ، لا الكليني ( 3 ) - أن الصادق ( عليه السلام ) ، قال : « من أفاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع ومضى إلى منى متعّمداً أو مستخفاً فعليه بدنة » ( 4 ) وهي دالة على أن من ترك الوقوف
في المشعر عمدا عليه بدنة ، فيعلم منها أن كفارة المتعمد غير كفارة الجاهل ، فهي مؤكدة لكون الموضوع في
هامش
( 1 ) الوسائل ج 14 : 27 باب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 .
( 2 ) الحدائق 16 : 440 .
( 3 ) فان طريق الصدوق إلى علي بن رئاب صحيح ، وطريق الكليني فيه سهل بن زياد .
( 4 ) الوسائل ج 14 : 48 باب 26 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1 .