شرح
عبد الله بن جبلة الدالة على أن في نتف الإبط الواحد إطعام ثلاثة مساكين ، وهي معتبرة ، أما على مسلك المشهور فلعمل المشهور ، وأما على مسلكنا فلوجود محمّد بن عبد الله بن هلال الموجود في سندها في أسناد كامل الزيارات ( 1 ) فهي معارضة لصحيحتي زرارة ، وبما أنه لا يحتمل تعدد الكفارة كما ذكرنا فمقتضى القاعدة الجمع بينهما والحمل على التخيير بين الشاة واطعام ثلاثة مساكين ، وبما أن الأمر دائر بين التعيين والتخيير - واقعاً لا فتوى - لأن معتبرة عبد الله بن جبلة إن كانت تامة كما اخترناه فالنتيجة التخيير ( 2 ) وإن لم تتم فتتعين الشاة لصحيحتي زرارة ، فمقتضى الاحتياط هو الكفّارة بشاة ، ولا وجه للاكتفاء عنها بالاطعام ، بل هو خلاف الاحتياط هذا . وقد يقال - كما قيل ( 3 ) - بأن صحيحتي زرارة واردتان في المتعمّد صريحاً ، ومعتبرة عبد الله بن جبلة لم يؤخذ فيها العمد ، فمقتضى قانون الاطلاق والتقييد حمل معتبرة عبد الله بن جبلة على غير العامد ، فتتعين الشاة عند تعمد النتف جزماً لا احتياطاً .
وفيه : أولاً : إن معتبرة ابن جبلة وإن لم يذكر فيها العمد ، إلاّ أنه لا يمكن حملها على غير العمد للاطلاقات الكثيرة الدالة على أنه لا شيء على الجاهل والناسي الحاكمة هذه الاطلاقات على جميع ما ورد في باب الكفارات ، وأن كل فعل صادر من المُحرم - غير الصيد - إذا كان عن جهل أو نسيان فلا شيء عليه ، فتقيد معتبرة ، ابن جبلة بهذه المطلقات وأنه عليه إطعام ثلاثة مساكين فيما إذا لم يكن جاهلاً أو ناسياً - أي متعمداً - فكيف يمكن حملها على غير المتعمد .
وثانياً : ان صحيحتي زرارة كما تعرضتا للعمد تعرضتا لغير العمد أيضاً وقالتا إنه ليس عليه شيء ، فكيف مع ذلك يمكن حمل معتبرة ابن جبلة على الجاهل مع أن صريح صحيحتي زرارة أنه لا شيء على الجاهل ، وعليه فمعتبرة ابن جبلة معارضة لصحيحتي زرارة على كل تقدير ، ولا يمكن حملها على غير العامد .
هامش
( 1 ) كان هذا منه ( قدس سره ) قبل الرجوع عن مبنى كامل الزيارات ، فهي بعد الرجوع ضعيفة عنده ، كما أن محمّد بن عبد الله بن هلال لم يرو في تفسير القميّ .
( 2 ) ومعتبرة عبد الله بن جبلة تامة عنده ( قدس سره ) فما هو وجه الاحتياط الذي احتاطه ( قدس سره ) في المتن ؟ وليس الاحتياط احتياطاً استحبابياً كي لا يقتضي الاشكال عليه ، بل هو احتياط وجوبي ، بل لا يظهر وجه لقوله « إن الاكتفاء عن الشاة بالاطعام خلاف الاحتياط » ؟ بل هو خلاف الفتوى حينئذ ، لأنه بناءً على عدم تمامية معتبرة عبد الله بن جبلة العمل بصحيتي زرارة متعين ، فكيف يكون الاكتفاء بالاطعام بدل الشاة خلاف الاحتياط ، بل هو خلاف الفتوى . وإن تمت معتبرة عبد الله بن جبلة فلماذا يكون الاكتفاء بالاطعام بدل الشاة خلاف الاحتياط ؟ !
( 3 ) القائل السيّد الحكيم ( قدس سره ) حيث قال : « والأقرب حمل الخبر - على تقدير انجبار ضعفه كما هو الظاهر - على غير العامد الذي هو مورد صحيح زرارة ، وحينئذ يحمل على الاستحباب » دليل الناسك ( الشرح ) : 216 .