شرح
الصورة الثالثة : أن لا يتمكن من الرجوع إلى الميقات الذي تجاوزه وهو في الحرم ، ولكن يمكنه الخروج إلى خارج الحرم ، فالحكم هنا هو لزوم الخروج إلى خارج الحرم والإحرام منه من أي مكان شاء .
وهل يجب عليه الابتعاد عن الحرم إلى طرف الميقات بالمقدار الممكن كما ذهب إليه جماعة منهم الماتن أو لا ؟
الظاهر الثاني ، إذ لا دليل على ما ذهبوا إليه . وأما الخروج من الحرم مع الإمكان فمما لابدّ منه ، ويدل عليه اطلاق النصوص المتقدمة كصحيحتي الحلبي وغيرهما ( 1 ) . وليس في هذه المطلقات تقييد بالابتعاد عن الحرم ما أمكن ، على أن تقييدها بمن لا يتمكن من الابتعاد بالمقدار الممكن تقييد بالفرد النادر ، إذ ما من أحد يتمكن من الخروج إلى خارج الحرم ولا يمكنه الرجوع مائة ذراع إلى الوراء أيضاً . نعم ورد الابتعاد عن الحرم ما أمكن في الحائض كما في صحيحة معاوية بن عمّار المتقدمة ، والتعدي منها إلى غيرها قياس لا نقول به ( 2 ) .
وحاصل هذه النصوص أنّه 1 - لو تمكن من الرجوع إلى الميقات والإحرام منه لزم . 2 - وإلاّ فإن كان داخل الحرم وكان يمكنه الخروج إلى خارج الحرم والإحرام منه لزم ، ولا يجب الابتعاد عنه مهما أمكن . 3 - وإلاّ أي كان داخل الحرم ولا يمكنه الخروج منه - فيحرم من مكانه .
ولكن بإزاء ذلك خبر علي بن جعفر ( 3 ) عن أخيه ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل ترك الإحرام حتّى انتهى
إلى الحرم ، فاحرم قبل أن يدخله ؟ قال : إن كان فعل ذلك جاهلا فليبن مكانه ليقصي ، فإن ذلك يجزيه إن
هامش
( 1 ) كصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة قريباً في الهامش المتقدم .
( 2 ) والاستدلال عليه بقاعدة الميسور كما في المسالك خلاف ما دل من النصوص من أنّه يحرم من مكانه أو يحرم بعد ما يخرج من الحرم . وتقييد من يخرج من الحرم بمن لا يتمكن من الابتعاد بالمقدار الممكن كما عرفت تقييد بالفرد النادر .
ولكن أقول : صحيحة معاوية بن عمّار واردة في الجاهل كما هو المفروض ، ولا خصوصية للحائض ، ولذا استدل بها السيد الاُستاذ ( قدس سره ) على الجاهل مطلقاً ، فكيف صار الابتعاد عن الحرم بمقدار لا يفوت الحجّ مختصاً بها دون غيرها من أفراد الجاهل - الذي لا فرق بينه وبين الناسي بل والعامد ، لأن الملاك في الكل عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات - بل كل معذور لا يتمكن من الرجوع إلى الميقات . ودعوى أن ما من أحد يتمكن من الخروج إلى خارج الحرم ولا يمكنه الرجوع مائة ذراع فيكون تقييداً بالفرد النادر ، غير مقبولة لأن المفروض هو الرجوع بما لا يفوته الحجّ حتّى وإن كان مائة ذراع ، فأي تقييد بالفرد النارد ، على أن ذلك جار في الحائض ؟ ! .
( 3 ) قرب الإسناد : 106 .