شرح
الطائفة الثالثة : عدّة روايات معتبرة دالة على الجواز في بعض الأقسام وعلى عدم الجواز في بعض الأقسام الاُخر ، فتكون مقيدة للطائفتين المتقدمتين ووجه جمع بينهما .
منها : ما دل على عدم الجواز فيما إذا كان الكحل أسود كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « لا يكتحل الرجل والمرأة المُحرمان بالكحل الأسود إلاّ من علّة » ( 1 ) وهي مدرك المشهور .
ومنها : ما دل على عدم الجواز فيما إذا كان الاكتحال للزينة ، وأمّا لغيرها فيجوز وإن لم تكن ضرورة ، وهي صحيحة معاوية بن عمّار الاُخرى عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « . . . وقال : لا بأس بأن تكتحل وأنت مُحرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه ، فأمّا للزينة فلا » ( 2 ) وبين هاتين الصحيحتين معارضة لا محالة ، لأن المستفاد من الاُولى أن العبرة بالسواد وعدمه ، فإن كان الكحل أسود فهو حرام ، وإن كان غير أسود فهو جائز وإن كان للزينة ، والمستفاد من الثانية عدم جواز الاكتحال إذا كان للزينة وجوازه إذا لم يكن لها ( 3 ) وإن كان الكحل أسود ، والمعارضة بين هاتين الصحيحتين إنّما هو بين عقد الايجاب من كل منهما مع عقد السلب من الاُخرى ، وإلاّ فليس بينهما منافاة ومعارضة ، فإن كون الاكتحال بالأسود محرماً لا ينافي كون الاكتحال للزينة محرماً أيضاً . وإنما المنافاة بين العقد السلبي من إحداهما - وأن غير الأسود أو إذا لم يكن للزينة فلا بأس به - والعقد الايجابي من الآخر ، وقد ذكرنا هذه المسألة على نحو الكبرى الكلية في باب المفاهيم ( 4 ) وأنّه إذا كانت
شرطيتان دلت إحداهما على ثبوت حكم عند تحقق شيء وبمفهومها دلت على العدم عند العدم ، ودلت الشرطية الثانية على ثبوت هذا الحكم على تقدير ونفسه على عدم هذا التقدير ، فإنه يكون بينهما معاوضة أي بين العقد الإيجابي من أحدهما وبين العقد السلبي من الآخر ، فإذا ورد أنه إذا خفي الجدران فقصر فإنه بمنطوقه دال على وجوب القصر عند خفاء الجدران ، وبمفهمومه دال على العدم عند العدم ، فإذا ورد أنه إذا خفي الاذان فقصر فهو بمنطوقه دال على وجوب القصر عند خفاء الاذان ، وبمفهمومه دال على عدم التقصير
هامش
( 1 ) الوسائل ج 12 : 468 باب 33 من أبواب تروك الإحرام ح 2 .
( 2 ) الوسائل ج 12 : 470 باب 33 من أبواب تروك الإحرام ح 8 .
( 3 ) هذا لا يستفاد من الصحيحة الثانية ، فإن صدر الصحيحة الثانية لمعاوية هو « المحرم لا يكتحل إلاّ من وجع » ثمّ ذكر الذيل الذي تقدم من السيد الاُستاذ ذِكره ، فمن ضم الصدر إلى الذيل يعلم أن الجواز فيما إذا لم يكن للزينة إنما هو في إذا كان مع الضرورة والوجع .
( 4 ) موسوعة الإمام الخوئي 46 : 239 .