شرح
ونفى الكفّارة عن الوجود الثاني - بل جعل الجزاء خصوص الانتقام - إنّما هو في صورة العمد في كلا الوجودين ، وبما أن الرواية ناظرة إلى ذلك ، إذن يكون الحكم فيها مختصاً بصورة العمد في كليهما . ويمكن أن يستشهد على ذلك مضافاً إلى ذلك بكلمة « عاد » في صحيحتي الحلبي أي الوجود الثاني من الأوّل ، والثاني عمدي فالأوّل كذلك - لأنه عود إلى الأوّل - فيكون الجمع بين صحيحتي الحلبي ومعتبرة حفص وبين صحيحتي معاوية من قبيل المطلق والمقيد ، لأن صحيحتي معاوية دلتا على الكفّارة على الاطلاق وصحيحتي الحلبي ومعتبرة حفص دلت على نفي الكفّارة في الوجود الثاني إذا كان عمدياً كالأوّل ، فترتفع المعارضة بين الروايات ويثبت قول المشهور .
ومع الاغماض عن ذلك وفرض أن صحيحتي الحلبي ومعتبرة حفص لم تدل على اعتبار العمد في الوجود الأوّل فمقتضى اطلاقها عدم وجوب الكفّارة . في الثاني العمدي حتّى إذا كان الوجود الأوّل خطأً ومقتضى اطلاق صحيحتي معاوية ثبوت الكفّارة في هذه الصورة أيضاً ، ولكن صحيحتا معاوية قد خصصتا بغير ما إذا كان الوجود الأوّل والثاني كلاهما عمدياً من جهة الآية المباركة : ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) ففرض العمد في الوجود الأوّل وفرض العمد في الوجود الثاني ( وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ) فهذه الصورة قد خرجت عن اطلاق صحيحتي معاوية ، فالصحيحتان مختصتان بغيرها ، وبذلك تنقلب النسبة فتكون النسبة بينهما وبين صحيحتي الحلبي ومعتبرة حفص عموماً من وجه ، ومورد الاختلاف هو ما إذا كان الوجود الأوّل غير عمدي والثاني عمدياً ، مقتضى اطلاق صحيحتي معاوية ثبوت الكفّارة فيه ، ومقتضى اطلاق صحيحتي الحلبي عدم وجوب الكفّارة فيه ، وبما أن المعارضة بالعموم من وجه فيسقطان ، ويرجع إلى العمومات الفوقانية وهي ما دل على ثبوت الكفّارة في الخطأ والعمد والسهو والنسيان ، فإن الظاهر منها تعدد المسبب بتعدد السبب على القاعدة .
ومع التنزل عن هذا أيضاً يمكن أن يقال - بل هو كذلك - إن ذكر التعمد في الآية ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) بعد وضوح عدم اختصاص الكفّارة بفرض العمد ، بل كما هي ثابتة في العمد ثابتة في غير العمد عندنا وعند العامّة على ما حكي عنهم إلاّ الشاذ منهم ، فذكر العمد في الآية المباركة لا يتصور له وجه بعد ما كان الحكم ثابتاً لجميع أنواع الصيد عن عمد أو غير عمد ، إلاّ أن يكون هذا مقدمة وتوطئة للثاني ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ . . . وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ) أي من قتل مرتين متعمداً ، في الوجود الأوّل تجب الكفّارة وفي الوجود الثاني لا كفّارة ، فيكون ذكر العمد في الآية توطئة لبيان حكم الإعادة ، ولا ينافي هذا ثبوت الكفّارة في الوجود الأوّل أيضاً كما هو الصحيح والمتسالم عليه .
إذن تدل الآية على أن نفي الكفارة عن الثاني مختص بما إذا كان الوجود الأول أيضا متعمدا ، وإلا لم