وقد يتخيّل البطلان من حيث إنّ المنوي هو الحجّ النذري لم يقع وغيره لم يقصد . وفيه : أن الحجّ في حدّ نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف ، ألا ترى أنه لو صام أياماً بقصد الكفارة ثمّ ترك التتابع لا يبطل الصيام في الأيام السابقة أصلاً ، وإنما تبطل من حيث كونها صيام كفارة ، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآناً أو ذكراً .
شرح
الحجّ وهو الصحيح . وقد يتخيل - كما تخيل ( 1 ) - بطلان الحج ، بدعوى أن النذر يوجب تقييداً للواجب فيكون حجه النذري بمقتضى إلزام الشارع له هو الاتيان به ماشياً ، فيكون ما أتى به غير ما هو الواجب عليه فيقع فاسداً ، نظير ما لو نذر أن يصلي جماعة وخالف وصلى فرادى ، فإنه ذكر بعضهم أنه يقع باطلاً ، لأن صلاة هذا اليوم مثلاً مأمور أن يأتي بها جماعة أو في المسجد ، وحيث إنه لم يأتِ بها جماعة أو في المسجد فما وقع ليس بمأمور به وما هو المأمور به لم يأتِ به .
ولكن ذكرنا أن الأمر الصلاتي متعلق بالصلاة المطلقة ، والنذر لا يوجب تقييداً في ذلك الوجوب وتغييراً لأمر الله سبحانه ، وإنما يتعلق النذر بأمر آخر وهو أن يأتي بها جماعة أو في المسجد ، فتعلق الأمر الثاني يكون بغير ما تعلق به الأمر الأوّل ، ولا يوجب تقييداً في الأمر الأوّل ، وكذا في المقام . فكان على الماتن ( قدس سره ) أن يقول بصحة الحجّ في جميع الصور حتى الصورة الأخيرة - لا خصوصاً الصورة الأخيرة - لأن النذر لا يوجب تقييداً في الواجب ، ولعل كلمة « خصوصاً » من سهو قلمه الشريف .
ثم ذكر الماتن أنه قد يستدل للبطلان بوجهين آخرين في جميع الصور الثلاثة :
أحدهما : ما أشرنا إليه في الصورة الثانية من أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده .
وأجاب عنه كما أجبنا أولاً : بأن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده . وثانياً : على فرض اقتضائه النهي فالنهي تبعي ، فلا يقتضي البطلان . وثالثاً : إن هذا غير جار في الصورة الاُولى ، فإنه ليس الحجّ راكباً ضد للحج ماشياً ، لتعلقّ النذر بطبيعي الحجّ هذه السنة أو غيرها .
ثانيهما : ان الحجّ المنوي لم ينطبق على ما أتى به خارجاً ، وما أتى به خارجاً لم يكن منوياً ، لأن المنوي هو الحجّ المنذور أي الحجّ ماشياً ، وما وقع في الخارج وهو الحجّ راكباً لم يكن منوياً فيحكم ببطلانه ، وهو الذي ذكرناه عنهم وجهاً ثانياً للبطلان في الصورة الثانية ، ومثّل لما ذكره بما إذا فرضنا أنه صام عشرة أيام
هامش
( 1 ) القائل بذلك السيّد الحكيم حيث قال : « لا ريب في أن الناذر حينما يأتي بالحج المنذور يأتي به بعنوان الوفاء بالنذر ، والوفاء من العناوين التقييدية لا من قبيل الداعي . . . فإذا كان عنوان الوفاء تقييدياً فمع انتفائه لا قصد للفاعل ، وحينئذ لا يكون عبادة لانتفاء قصد الأمر » المستمسك 10 : 216 طبعة بيروت .