شرح
ثمّ إنه يوجد فرق بين المريض الضعيف وبين ما إذا كان العذر واصلاً إلى حدّ الضرورة والحرج ، وإن كان يجوز لكل منهم تجاوز مسجد الشجرة بغير إحرام ، والفرق هو أنّه في العذر البالغ حدّ الضرر والحرج لا يتعين عليه الإحرام من الجحفة ، بل له أن يذهب إلى وادي العقيق أو قرن المنازل والإحرام منه ، لعدم الدليل على الإحرام من الجحفة بالنسبة إليه بعد عدم كون الجحفة ميقاتاً له ، وأما لو كان مريضاً أو ضعيفاً فيجوز ترك الإحرام من مسجد الشجرة والإحرام من الجحفة كما فعله الصادق ( عليه السلام ) ولكن ليس له ترك الإحرام من مسجد الشجرة وتجاوزه بغير إحرام إلى غير الجحفة من المواقيت كوادي العقيق أو قرن المنازل ، وذلك لقوله ( عليه السلام )
هامش
صحيحة علي بن جعفر من التنافي إلى نسبةً الخاص إلى العام ، فتقيد صحيحة علي بن جعفر الدالة على التخيير بالمريض والضعيف ، وأمّا غيرهما وهو من كان له عذر ولا يصل إلى حدّ الضرر والحرج - وليس مريضاً ولا ضعيفاً - فليس له العدول عن الإحرام من مسجد الشجرة إلى الإحرام من الجحفة .
والحال : إنّه إذا كان الخطاب الثالث صالحاً لتقييد كل من المتعارضين فهو شاهد جمع كما في كثير من الموارد - لا أنه موجب لانقلاب النسبة - كما إذا دلّ دليل على وجوب اكرام العلماء ، ودل دليل آخر على حرمة اكرام الفساق ودل دليل ثالث على كراهة اكرام العالم الفاسق ، فالثالث أخص منهما فيخصص كلاً منهما وتكون النتيجة وجوب اكرام العالم العادل وكراهة اكرام العالم الفاسق وحرمة اكرام الفاسق ، ولا يكون تخصيصه لأحدهما موجباً لانقلاب النسبة .
فإنه يعتبر في انقلاب النسبة أن يكون الخطاب الثالث مخصصاً لأحد المتعارضين لا لكل منهما ، وبالنسبة إلى الآخر ساكتاً أو مواقفاً ، كما لو دل على وجوب اكرام العلماء ، وآخر على عدم وجوب اكرام العلماء ، ودل دليل ثالث على وجوب اكرام العالم العادل ، فالنسبة بين الأولين هي التباين ، والنسبة بين الثاني والثالث هي نسبة العام والخاص ، فإذا قيد الثاني باخراج العالم العادل منه صار هكذا : لا يجب اكرام العلماء الفساق ، وصارت النسبة بينه وبين الأوّل نسبة العام والخاص ، فيختص الدليل الأوّل باكرام العلماء العدول بل غير الفساق ، فيدخل حتّى المشكوك فسقه ، ولكن شرط انقلاب هذه النسبة هو كون الدليل الثالث ساكتاً عن الدليل الأوّل أو موافقاً له لا مخصصاً له أيضاً ، وهو في المثال كذلك ، بخلاف المقام حيث إن صحيحة أبي بكر الحضرمي وصحيحة أبي بصير الذي هو الدليل الثالث مخصصة لدليل الأوّل الذي هو صحيحة إبراهيم بن عبد الحميد أيضاً ، فإنها دالة على عدم الجواز على الاطلاق ، وصحيحة أبي بكر الحضرمي دالة على الجواز في الضعيف والمريض ، فتخصص صحيحة إبراهيم بن عبد الحميد بغيرهما .
ثمّ إن في المثال الذي ذكرناه إنما يكون الدليل الثالث ساكتاً عن الدليل الأوّل أو موافقاً له بناءً على أنّه لا تنافي بين المثبتين كما في قوله اعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة ، فلذا لا يكون الثاني مقيداً للأول ، إذ لا منافاة بينهما - كما لا منافاة بين لا تشرب الخمر ولا تشرب المسكر ، فلا يحمل المسكر على الخمر ، لأن المنافاة إنما تكون بين متعلقات الأحكام لا بين موضوعاتها ، والخمر والمسكر موضوع للحكم - والمنافاة إنما تكون بين اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة ، فيقيد الثاني الأوّل بالمؤمنة . وأما بناءً على تحقق المنافاة وكون اعتق رقبة مؤمنة مقيداً لأعتق رقبة فلا يكون مثالنا مثالاً للمقام لأن وجوب اكرام العالم العادل الذي هو الدليل الثالث كما يكون مقيداً للثاني يكون مقيداً للأوّل ، فلابدّ من التماس مثال آخر .