تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
عَلى نَفْسِهِ ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهً فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) . تشير هذه الآية الكريمة إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وهذه حكايتها : في سنة ست للهجرة كان المشركون هم المسيطرين على مكة والبيت الحرام ، وفي أواخر هذه السنة خرج رسول اللَّه ( ص ) من المدينة المنورة مع ألف وأربعمائة من المسلمين قاصدين مكة المكرمة يريدون العمرة ، ولا يفكرون في حرب . ولما بلغوا مكانا يسمى الحديبية علم أبو سفيان بمقدمهم ، فجمع قريشا وقرروا مجمعين أن يمنعوا الرسول ومن معه ويصدوهم عن بيت اللَّه الحرام بقوة السلاح ، وجمعوا الفرسان لذلك ، وجعلوا عليهم خالد بن الوليد ، ثم سعى السفراء بين النبي ( ص ) وبينهم ، وكان سفراء قريش يطلبون من النبي أن يعود إلى المدينة ولا يدخل مكة ، ويجيبهم النبي بأننا لم نأت لقتال أحد ، وقد جئنا زائرين البيت الحرام ، ومن صدنا عنه قاتلناه . وكان عروة بن مسعود أحد سفراء قريش إلى رسول اللَّه ( ص ) ، وقد رأى الصحابة يتفانون في حب الرسول ، فلا يتوضأ إلا ابتدروا وضوؤه ، ولا يبصق إلا أخذوا بصاقه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا تهالكوا عليه ، فعاد وهو في دهشة مما رأى ، وقال : « يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، واني ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ، لقد رأيتهم لا يسلمونه لشيء أبدا ، فروا رأيكم » . وأرسل رسول اللَّه ( ص ) لقريش عثمان بن عفان لأنه قريب أبي سفيان ، وقال له : أخبرهم انّا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته ، ومعنا الهدي ننحره وننصرف . . ولما بلَّغهم عثمان قالوا : لا كان هذا أبدا . وانقطعت أخبار عثمان ، وشاع انه قد قتل ، وحين بلغت هذه الشائعة مسامع النبي ( ص ) قال : لا نبرح حتى نناجز القوم ، ودعا إلى مبايعته ، وكان جالسا تحت شجرة هناك ، فأسرع أصحابه يبايعونه على الطاعة والموت في سبيل اللَّه . وقد وصف سبحانه هذه البيعة بأنها بيعته بالذات ، وانه قد أخذها بيده ، وان من نقضها ونكث بها فقد خان اللَّه وتعرض لغضبه وسطوته ، وان من وفى بها ولم ينقض الميثاق فإن له عند ربه لزلفى وحسن مآب ، وذلك حيث يقول