تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) . هذا جواب عن سؤال مقدر ، وهو : كيف تخلى سبحانه عن المسئ ووكله إلى نفسه وأهوائه ؟ ألا يتنافى هذا مع لطفه ورحمته ؟ . فأجاب سبحانه بأن عليه أن يزود العبد بالقدرة على العمل ، وبالعقل الذي يميز بين الخير والشر ، ثم يبين له ويرشده ويبشره وينذره ، وقد تحقق ذلك كله على أكمل وجه ، وهو منتهى اللطف والرحمة ، أما العمل والاهتداء فعلى العبد وحده ، ولا يلجئه اللَّه إليه لأن الإلجاء يسلب الإنسان حريته وإرادته ، بل وإنسانيته لأن الإنسان بحريته وإرادته . وتجدر الإشارة إلى أن كلمة « على » هنا تدل على الوجوب خلافا للشيخ محمد عبده وغيره من الأشاعرة لأن الوجوب إذا نسب إلى العبد فمعناه ان الغير أوجب عليه ، ولو ترك لكان مسؤولا ، وإذا نسب إليه تعالى فمعناه هو الذي أوجب على نفسه ما أوجب أي انه وعد وليس لوعده مترك . قال تعالى : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » - 54 الانعام . ( وإِنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى ) . اللَّه وحده مالك الملك في الدنيا والآخرة ، ولا تنفعه طاعة من أطاع ، ولا معصية من عصى ، ولا يجد العاصون مفرا من حكمه وسلطانه ( فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ) . أمر سبحانه ونهى وحذر من عصى نارا تتلهب وتتسعر لعله يتوب من ذنبه ويرجع إلى ربه ( لا يَصْلاها إِلَّا الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلَّى ) . يصلاها أي يدخل النار ويعذب فيها ، وقيل : المراد بالأشقى هنا الكافر وقال الشيخ محمد عبده : « الأشقى من هو أشد شقاء من غيره » . والصحيح ان التفضيل هنا غير مقصود من جهة دخول النار ، لأنه ما من شقي إلا هو ذائقها : « فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ » - 106 هود . والتفاوت بين الشقي والأشقى انما هو في أليم العذاب وشدته لا في أصل العذاب ، وعليه يكون المراد بالأشقى هنا من عصى اللَّه وأعرض عن أمره سواء أعرض عنه لأنه لا يؤمن باللَّه وشريعته ، أم آمن به وبشريعته ولكنه قصّر وتهاون ، لا فرق بين الاثنين لأن الايمان وسيلة للعمل ، وليس غاية في نفسه ، فقد ثبت بنص القرآن ان من آمن ولم يعمل فهو والكافر بمنزلة سواء ، قال تعالى : « لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً » - 159 الانعام أي لم تؤمن إطلاقا أو آمنت ولم تعمل . ( وسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ) . الهاء في سيجنبها تعود إلى النار ، ومعنى يجنبها يبتعد
التفسير الكاشف — صفحة 575 | محمد جواد مغنية