تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
الأخذ بعنف ، فكيف إذا كان شديدا ، ومن جبار السماوات والأرض ؟ . والخطاب هنا لرسول اللَّه ( ص ) والغرض منه تهديد الذين يؤذون الرسول ومن آمن معه ( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ ) . ومن كان قادرا على بدء الخلق وإعادته فهو على البطش بالطغاة أقدر ( وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) . لمّا ذكر سبحانه شدة العذاب قرنها بمغفرته ولطفه ليرجع إليه العاصون بالتوبة ولا ييأسوا من رحمته ، فإن غضبه تعالى على المذنبين لا يمنعه من الرحمة بهم ( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) صاحب الملك والسيطرة . ( فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) . ومراده تعالى يتحقق بمجرد إرادته من غير حاجة لشيء آخر ، قال الإمام علي ( ع ) : « فاعل لا باضطراب آلة مقدر لا بجولة فكر . . يريد ولا يضمر . . يقول لمن أراد كونه : كن فيكون لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وانما كلامه سبحانه فعل منه » . وقد أراد ، جلت حكمته ، هلاك الأمم السابقة الذين كذبوا رسلهم فكان ما أراد ( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ ) . وهم من الذين أهلكهم اللَّه بتكذيب رسلهم ، وهل هنا بمعنى قد مثل « هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ » . والمعنى قد سمعت يا محمد وسمع قومك ما حل بثمود قوم صالح وبفرعون وملئه ، وكيف انتقم اللَّه منهم لمّا كذبوا الرسل ، فكذلك ينتقم سبحانه من الذين كذبوك متى أراد . ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ) . ان فئة من الذين كفروا ، ومنهم عتاة قريش يجحدون الحق لا لشيء إلا لأنهم مولعون بتكذيبه ومعاندته أينما كان ويكون ، وإلا فأي عذر لهم في إنكاره وقد قامت عليه الدلائل والبينات ، وظهرت كوضح النهار ؟ . ( واللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ) . انهم في قبضة اللَّه يقلبهم كيف يشاء ، ويهلكهم متى أراد . . وفيه إيماء إلى انهم لا يرتدعون عن التكذيب بالحق حتى يروا العذاب ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ) عظيم الشأن ، لأن كل ما فيه حق وعدل مع قيام الحجة ووضوح البرهان ، وما كذّب به إلا المجرمون ( فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) من التحريف مصون من التغيير والتبديل . . وللمفسرين كلام طويل وعريض حول اللوح المحفوظ ، ونحن غير مسؤولين عن تحديده ومعرفة حقيقته . . والراسخون في العلم يؤمنون بالغيب المحجوب ، ويحجمون عن الشروح والتفاصيل .