تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
لا يتصل بالمشاهدة من قريب أو بعيد ، ثم أقسم بالشاهد والمشهود أي بما هو شهادة صرف ، وعلى هذا يكون سبحانه قد أقسم بجميع العوالم ، سواء منها ما كان من عالم الغيب فقط ، أم من عالم الشهادة فقط ، أم منهما معا ، والغرض من ذلك هو ان يلفت الناظرين إلى الكائنات بشتى أنواعها ، ويعتبروا بما ظهر منها من الإحكام والنظام ، ويبذلوا الجهد لمعرفة ما غاب واستتر . ( قُتِلَ أَصْحابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) . الأخدود شق في الأرض يحفر مستطيلا ، وأصحابه قوم كافرون لهم بأس وسلطان ، وقيل : المراد بهم ذو نواس وقومه ، وهو أحد ملوك اليمن . وأيا كان أصحاب الأخدود فإن هذه الآيات تشير إلى أناس طغاة قد حفروا خندقا وأضرموه بنار تسطع باللهب ، ثم جاؤوا بالمؤمنين المخلصين وعرضوهم على النار ، فمن رجع عن دينه ووافقهم على الكفر والبغي تركوه ، ومن أصر على الايمان والإخلاص أحرقوه ، وهم قاعدون على جوانب الخندق حول النار يتلذذون ويتمتعون بمشاهدة الأجسام تحترق حية طرية ( وما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) . هذا هو ذنبهم الأول والأخير هو الايمان باللَّه مالك الملك القادر القاهر العالم بكل شيء والمستحق وحده للحمد . ووصف سبحانه نفسه بهذه الصفات للإشارة إلى أنه لا مفر للطغاة من سلطان اللَّه وعذابه . ومثله « أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ » - 28 غافر . ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ ) . بعد أن أشار سبحانه إلى أهل الأخدود الجبابرة عرّض بعتاة قريش الذين آذوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم ، ويردوهم كفارا بعد ايمانهم ، وقد هددهم سبحانه إذا لم يرتدعوا ، هددهم وتوعدهم بأليم العذاب . . وعطف عذاب الحريق على عذاب جهنم من باب عطف التفسير والتوضيح ، والغرض منه تأكيد الوعيد والتهديد ، وزيادة التخويف والتهويل ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) . تقدم مثله في العديد من الآيات ، وجاء ذكره هنا على طريقة القرآن الكريم حيث يقرن هلاك المجرمين بفوز المتقين ، ونعيم هؤلاء بجحيم أولئك ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) . البطش