تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
الصدع صفة للأرض . انه لقول فصل جواب القسم . ورويدا صفة لمفعول مطلق محذوف أي امهالا رويدا والمعنى امهالا قليلا . المعنى : ( والسَّماءِ والطَّارِقِ وما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) . كل ما علاك فهو سماء ، وكل ما أتاك ليلا فهو طارق ، ولا يكون الطروق إلا في الليل ، والمراد بالطارق هنا النجم الثاقب لأن النجم لا يظهر إلا ليلا ، والثاقب هو المضيء ، تقول العرب : أثقب نارك أي أضئها ، وقد وصف به النجم لأن ضوأه يثقب الظلام ، كأنّ الظلام جلد أسود ، والنجم يثقبه بضوئه ، وصيغة وما أدراك تشعر بتفخيم الشيء وتعظيم شأنه . . اقسم سبحانه بالنجم المضيء لينبه إلى ما فيه من عظيم النفع ، وعجيب الصنع ، اما المقسم عليه فقد أشار إليه سبحانه بقوله ( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ) يحفظ أقوالها وأعمالها ، ويحصي حركاتها وأسرارها حتى ينتهي أجلها ، وتلقى ربها ، فتجد عنده ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ، وبتعبير ثان « وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » - 17 الإسراء ج 5 ص 32 . ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ) . الماء الدافق هو النطفة ، والصلب كل عظم من الظهر فيه فقار ، والترائب موضع القلادة من الصدر ، والمراد بالصلب صلب الرجل ، وبالترائب ترائب المرأة ، وهما مصدر النطفة التي يتولد منها الإنسان ، ومنذ أمد غير بعيد اهتدى العلم الحديث إلى هذه الحقيقة التي جاءت على لسان الأمي العربي ، ومعنى الآية إذا عرفت أيها الإنسان ان اللَّه سبحانه يعلم سرك وجهرك فعليك أن تنظر إلى نفسك ، وتفكر في وجودك ، فلقد بدئت من نطفة خرجت من ظهر أبيك وترائب أمك ، ثم وضعت في قرار مكين إلى أجل معلوم . . إلى أن صرت في أحسن تقويم مملوءا بالحياة والعاطفة والإدراك ، فكر وتدبر ذلك لتعلم ان الذي أنشأك وهداك قادر على أن يعيدك ثانية إلى الحياة ، وهذا معنى قوله تعالى : ( إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ) . فالنشأة الأولى تشهد بالنشأة الثانية ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ) .