تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ ) . المراد بالنذر الرسل ، وضمير يديه وخلفه يعود إلى هود ، والمعنى اذكر يا محمد لقومك أيضا ان هودا لم يكن أول المرسلين ، ولا هو آخرهم ، بل أرسل اللَّه كثيرين من قبل هود ومن بعده ، وكان ينذر قومه بهذا النداء الذي جاء على لسان كل نبي : ( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهً إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ان بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك والضلال . ( قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) . أتريدنا يا هود أن نترك عبادة الأصنام ، ونعبد إلها واحدا . . . ان هذا لشيء عجاب ! . وتهددنا بعذاب عظيم ؟ عجل به ان كان تهديدك حقا وصدقا ( قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) . أمرني ربي أن أنذركم بالعذاب ، فأطعت وأنذرت ، أما متى يقع العذاب ؟ وما هو نوعه ولونه فعلمه عند اللَّه ، ولا أعلم من ذلك شيئا ، ولكني أعلم علم اليقين انكم في غمرة الجهل والضلال ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) . الهاء في رأوه للعذاب ، وعارضا أي عرض في الأفق ، ومستقبل أوديتهم متوجها إليها ، والمعنى ظنوا العذاب سحابا من الغيث ، ففرحوا به ، وبشر بعضهم بعضا بالخصب والرخاء . فقال لهم هود أو لسان الحال والواقع : ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها ) . رأوا سحابا في الأفق ، ظاهره الرحمة وباطنه العذاب ، فانخدعوا بالظاهر ، وذهلوا عما وراءه من المخبآت والمفاجئات ، فأخذهم العذاب ، وهم في سكرة من كواذب الأماني والآمال . . . وهذه نهاية من تمادى في غوايته ، وانقاد إلى رغبته ( فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ ) التي أصبحت قبورا لأجسامهم . والعاقل من اتعظ بهم وبأمثالهم ، وخاف بطش اللَّه عند النعمة والرخاء ، ورجا رحمته عند الشدة والضراء ( كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) في الدنيا والآخرة ، أو في الآخرة فقط على ما توجبه الحكمة البالغة . ( ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) . أهلكنا عادا لما طغوا وبغوا ، وقد كنا أعطيناهم من القوة والمال ما لم نعطكم مثله يا عتاة قريش . . . ألا تخشون أن يصيبكم مثل ما أصاب عادا وغيرهم من الأمم الماضية ؟ . ( وجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وأَبْصاراً