تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) . متى بلغ الغلام مبلغ الرجال بالاحتلام أو بالسن ( 1 ) وكان عاقلا في تصرفاته كان له ما للبالغين الراشدين ، وعليه ما عليهم من التكاليف الشرعية . ولكن جماعة من المفسرين قالوا : ان هذه الآية تشير إلى موضوع آخر ، وهو نضج الإنسان وكماله عقلا وجسما بدليل قوله تعالى : « وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً » لأن هذا النضج يبدأ في الغالب بسن الثلاثين ، ويستمر في النمو حتى الأربعين حيث يبلغ الغاية في طاقاته ومؤهلاته . ومهما يكن فإن السن والمؤهلات لا توجب الوعي وأصالة الرأي إذا لم يمر الإنسان بالكثير من التجارب . . وغير بعيد أن يكون ذكر الأربعين سنة في الآية للإشارة إلى أن الإنسان في الغالب يمر بعد بلوغ هذه السن بتجارب نافعة . وقال المفسرون وأهل السير : ان اللَّه ما بعث نبيا إلا بعد الأربعين من عمره سوى عيسى ويحيى ( قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ ) . العاقل يطلب من اللَّه سبحانه التوفيق والعون على تأدية الشكر له تعالى بالطاعة والانقياد ، وأعظم النعم كلها الهداية إلى الحق والعمل بموجبه ، أما وجود الإنسان من حيث هو فما هو بنعمة عليه ولا على غيره إذا لم يكن وسيلة للعمل الصالح . وجاءت هذه الآية بالحرف في سورة النمل الآية 19 ج 6 ص 13 . ( وأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) . الأبناء عبء ثقيل على الآباء ، بل كارثة بتربيتهم ومطالبهم وهمومهم . . ولكن الأب المسكين يرى رغبته وسعادته في هذه الكارثة إذا منّ اللَّه عليه بذرية صالحة ، وإلا تراكمت المصائب والكوارث ( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . وفيه إيماء إلى أن اللَّه لا يتقبل من مذنب ولا يستجيب لدعائه إلا إذا تاب من ذنوبه ، واستقام في أقواله وأفعاله ( أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) عن هنا بمعنى « من » مثلها في قوله تعالى : « أَنَّ اللَّهً هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ » - 105 التوبة . والمراد بأحسن ما عملوا غير السيئات ، أما
هامش
( 1 ) . قال الشافعية والحنابلة : يتحقق البلوغ ب 15 سنة في الغلام والجارية . وقال المالكية : 17 فيهما . وقال الحنفية : 18 في الغلام و 17 في الجارية . وقال الإمامية : 15 فيه و 9 فيها .
التفسير الكاشف — صفحة 46 | محمد جواد مغنية