تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
وظنوا انهم في حصن حصين من ضربات الدهر ودوراته أخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر ليكون ذلك أنكى وأوجع لقلوبهم . . وسمى سبحانه هذا الامهال والاستدراج كيدا لأنه يشبه الكيد في ظاهره . . وإلا فإن اللَّه منزه عن الكيد والمكر . . كيف ولا يلجأ إليه إلا عاجز ، واللَّه يقول للشيء : كن فيكون . . هذا ، إلى أن الغرض من ذكر الكيد أن لا يخدع الإنسان بالدنيا إذا أقبلت عليه وابتسمت له ، وأن يكون على حذر من المخبآت والمفاجئات . وتقدم مثله في الآية 180 من سورة الأعراف . ( أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) . ما الذي جعلهم يكذبون برسالتك يا محمد ؟ هل تقاضيتهم على الهداية مالا يصعب عليهم تحمله وأداؤه ، أم اطلعوا على علم الغيب ، ونسخوا عنه ما يدل على مزاعمهم وادعاءاتهم . وتقدم مثله بالحرف في الآية 40 من سورة الطور ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وهُوَ مَكْظُومٌ ) . صاحب الحوت هو النبي يونس الذي ضاق صدره من قومه فتركهم مغاضبا ، وتقدمت الإشارة إليه والى قصته مع قومه في الآية 98 من سورة يونس والآية 87 من سورة الأنبياء والآية 140 وما بعدها من سورة الصافات . . وقد أوصى سبحانه نبيه الكريم محمدا ( ص ) بالصبر على أذى قومه ، وان لا يعجل عليهم كما فعل يونس الذي التقمه الحوت ، فنادى وهو في بطنه : « لا إِلهً إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » - 87 الأنبياء . ( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وهُوَ مَذْمُومٌ ) . دعا يونس ربه ، وهو في بطن الحوت ، فاستجاب دعاءه رحمة به ، ونبذه الحوت من بطنه في الفضاء ، وهو غير مذموم ولا ملوم عند اللَّه ، ولولا دعاؤه ورحمة اللَّه لكان مذموما وملوما ، بل ولبقي في بطن الحوت إلى يوم يبعثون . وتجدر الإشارة إلى أن الذم هنا على ترك الأفضل لا على الذنب لمكان العصمة ( فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) . من نعم اللَّه على يونس انه تعالى أخرجه من بطن الحوت ، وهو راض عنه ، ورده إلى قومه نبيا كما كان من قبل ، فانتفعوا به وبمواعظه ، ولو بقي في بطن الحوت إلى يوم يبعثون لم يكن لنبوته أي أثر ، وقوله تعالى : فجعله من الصالحين معناه ان اللَّه سبحانه يحشره غدا مع النبيين وفي زمرتهم . ( وإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) . الخطاب