تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
( ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) . الخطاب لمحمد ( ص ) . . ولا أحد يظن الجنون بمحمد إلا مجنون . . والذين وصفوه بذلك أرادوا أن له جنيا يوحي إليه ، كما كانوا يزعمون بأن لكل شاعر جنيا يعلمه الشعر ، ويومئ إلى هذا قوله تعالى حكاية عنهم : « ويَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ » - 36 الصافات . ( وإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ) أي دائم غير مقطوع . . وبديهة ان الأجر يقاس بنتائج الأعمال وآثارها ، ولا تزال آثار محمد ودعوته وعظمته قائمة إلى اليوم في شرق الأرض وغربها ، وستبقى إلى آخر يوم ، فلا بدع إذا ظفر من ربه بالعقبى الدائمة ، والكرامة الخالدة . ( وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . ما وصف سبحانه أحدا من رسله بهذا الوصف إلا محمدا ، ويتلخص معناه بقول الرسول الأعظم ( ص ) : « أدبني ربي فأحسن تأديبي » أي ان اللَّه قد اتجه بأخلاق محمد ( ص ) إلى نفس الهدف الذي خلقها اللَّه من أجله . وأيضا ما أقسم اللَّه بحياة إنسان إلا بحياة محمد ( ص ) ، وذلك حيث يقول عز من قائل : « لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ » - 72 الحجر . أما وصف محمد ( ص ) بخاتم النبيين فمعناه ان محمدا بلغ من صفات الكمال أقصى ما يصل إليه إنسان . . ومستحيل أن يأتي من بعده من هو أفضل منه ، أو يأتي بشريعة أفضل من شريعته ، بل لا يضارعه مخلوق من الأولين والآخرين ، والى ذلك يومئ قوله ( ص ) : « أنا سيد الناس ولا فخر » ومن أجل هذا ختمت به النبوات وبشريعته الشرائع ، قال ابن عربي في الفتوحات ما معناه : ان اللَّه خلق الخلق أصنافا ، وجعل من كل صنف أخيارا ، ومن الأخيار الصفوة ، وهم الأنبياء ، ومن الأنبياء الخلاصة ، وهم أولو العزم ، ومن الخلاصة خلاصتها وهو محمد الذي لا يكاثر ولا يقاوم . ( فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) . هذا تهديد ووعيد ومعناه عما قريب يتبين لك ولأعدائك يا محمد انهم أولى الناس بوصف الجهل والضلال والجنون ، وانك أعلى الناس عقلا وأعظمهم خلقا ، وأكرمهم عند اللَّه ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) . اللَّه يعلم يا محمد مكانك من العظمة والهداية ومكان خصومك من الضلالة والغواية ، وأمامهم الحساب والجزاء . وتقدم مثله بالحرف الواحد في الآية 17 من سورة الأنعام ج 3 ص 253 ( فَلا