تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
تعالى أن يرى المنافقون غدا نور المهتدين وهو يسعى بين أيديهم كي يزدادوا ألما على ألم ، ثم يتضاعف الألم حين يستغيث المنافقون بالمؤمنين ، ويسألونهم أن يسيروا على نورهم ( قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ) . هذا هو جواب استغاثتهم : ارجعوا إلى صاحبكم الشيطان ، واقتبسوا منه نورا ، فهو وراءكم اليوم كما كان وراءكم بالأمس . . ان هذا النور لمن عمل في دنياه لآخرته ، أما من اشترى الحياة الدنيا بالآخرة فما هو بخارج من الظلمات إلا إلى ما هو أشد . ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ) . ضمير بينهم يعود إلى المؤمنين والمنافقين ، والمراد بالسور الحاجز ، والمعنى ان اللَّه أنعم على المؤمنين بالجنة ، وانتقم من المنافقين بعذاب النار ، وبين الجنة والنار حاجز ، له جانبان : باطن غير منظور ، وهو يلي المؤمنين ، وظاهر منظور وهو يلي المنافقين وغيرهم من المجرمين ، والأول فيه الجنة ، والثاني من جهته جهنم ( يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) ؟ يقول المنافقون للمؤمنين بلسان الحال أو لسان المقال ، يقولون لهم : كنّا في الدنيا نصوم ونصلي ونفعل ما تفعلون فلما ذا دخلتم الجنة ، ودخلنا النار ؟ ( قالُوا بَلى ولكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) . أجابهم المؤمنون : أجل ، كنتم معنا وصمتم وصليتم مثلنا ، ولكن أهلكتم أنفسكم بالكذب والنفاق ( وتَرَبَّصْتُمْ ) الدوائر بالمؤمنين ( وارْتَبْتُمْ ) برسول اللَّه وأقواله ( وغَرَّتْكُمُ الأَمانِيُّ ) حين ظننتم أن خداعكم ونفاقكم يمر بسلام ومن غير حساب وعقاب ( حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ ) وهو لقاؤه تعالى وحسابه وجزاؤه ( وغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) وصدقتم الشيطان في وعده بسلامتكم من غضب اللَّه وعذابه . ( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ) ولا تقبل منكم توبة ولا مهرب لكم من العذاب : « فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » - 91 آل عمران . ( ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) . وأيضا لا تقبل الفدية والتوبة من الذين أظهروا الكفر وجاهروا به ، ولم يخادعوا وينافقوا كما خادعتم ونافقتم ( مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) . أبدا لا مقر ولا ناصر لكم إلا جهنم ( وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) مصيركم ومآلكم .
التفسير الكاشف — صفحة 246 | محمد جواد مغنية