تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وأغناه عن الحاجة إلى غيره ، وأعطى البعض الآخر ما يقتني ويدخر زيادة على ما يكفيه أي هيأ له أسباب الغنى والقنية . وقال أحد العارفين : من ذاق طعم الغنى عن الناس فقد حصل على نصيب وافر من الغنى ، وان في ذلك لشرفا عظيما . ( وأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ) بكسر الشين وتشديدها ، وهي نجم مضيء ، وخصها سبحانه بالذكر لأن بعض أهل الجاهلية كانوا يعبدونها ، وقيل : انها أضخم من الشمس بعشرين مرة ، وانها تبعد عن الشمس مقدار مليون ضعف بعد الشمس عنا ( وأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الأُولى ) وهم قوم هود ، وتقدم الكلام عنهم مرات ، ووصفهم سبحانه بالأولى بالنسبة إلى من تأخر عنهم من الأمم ، وقال صاحب مجمع البيان : بل لأن ثم عادا أخرى ( وثَمُودَ فَما أَبْقى ) منهم أحدا ، وهم قوم صالح ، وأيضا سبق الكلام عنهم وعن قوم نوح الذين أشار إليهم سبحانه بقوله : ( وقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وأَطْغى ) من عاد وثمود ( والْمُؤْتَفِكَةَ ) قرى قوم لوط ( أَهْوى ) بها إلى بطن الأرض ( فَغَشَّاها ما غَشَّى ) من العذاب ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ) . الخطاب لكل إنسان ، والآلاء النعم ، وتتمارى تشك وتجادل . ( هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى ) . قال أكثر المفسرين : ان « هذا » إشارة إلى القرآن أو محمد ( ص ) . وليس من شك ان كلا من القرآن والرسول الأعظم هما من النذر الأولى من نوعها وصفاتها . ومع هذا فإن الذي نفهمه ان اللَّه سبحانه أشار ب « هذا » إلى ما ذكره من الدلائل والعظات التي تضمنت أمورا هامة جديرة بالتأمل والدراسة كمسألة ان كل إنسان هو وحده المسؤول عن جرمه وجريرته ، وان اللَّه ينظر إليه من خلال عمله ، وانه لا مصدر للحياة إلا اللَّه ، وان مصير الطغاة إلى الهلاك ، وهذه وما إليها من أهم موضوعات العلوم الكونية والإنسانية ، وإذا ذكرها سبحانه ليستدل الإنسان على وجود اللَّه وعظمته فإن ذكرها بالذات يومئ إلى أن معانيها وأهدافها انما تتجلى للعلماء وانهم أحق الناس بمعرفة اللَّه والايمان به والخوف منه : « إِنَّما يَخْشَى اللَّهً مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » - 28 فاطر . ( أَزِفَتِ الآزِفَةُ ) . أزفت دنت ، والآزفة الدانية ، والمراد بها الساعة ، وانما وصفها سبحانه بالدانية لأنها آتية ، وكل آت قريب . . وكل ما أدبر كأنه ما كان ( لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ) ضمير « لها » يعود إلى الآزفة أي الساعة ، ولك أن تفسر الكشف بالعلم كقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ » - 186 الأعراف .