تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
القرين الثاني : « رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ » فإن القرين الأول لا يحتمل فيه الاطغاء والإغواء كي ينفيه عن نفسه لأن اللَّه قد اختاره لمهمة الكتابة على علم بصلاحه وأمانته . . يضاف إلى ذلك قوله تعالى : « لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ » فإن الاختصام غدا يكون بين المجرمين بعضهم مع بعض لا بينهم وبين غيرهم ، قال تعالى : « الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ » - 67 الزخرف . ( قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) . الخطاب من اللَّه سبحانه إلى المجرم وقرينه الشيطان ، والمعنى لا يقل بعضكم لبعض : أنت أغويتني ويقول الآخر : ما أغويتك ، فإن اليوم يوم حساب وجزاء ، ولا ينتفع المرء فيه بكلام ولا بغيره إلا بعمله الصالح ، وقد دعوتكم إليه ، وأنذرت من خالف منكم لقاء يومكم هذا فأبيتم إلا كفورا ( ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) . المراد بالقول هنا أمره سبحانه في الآية السابقة للسائق والشهيد : « أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ » وهذا الإلقاء حتم وعدل ، هو حتم لأن اللَّه أمر به ولا تبديل لأمره ، وهو عدل لأن المجرم أهل له . وتسأل : لقد ذهب كثير من العلماء إلى أن الخلف بالوعيد جائز على اللَّه دون الوعد ، وبهذا جاءت السنّة النبوية حيث قال الرسول الأعظم ( ص ) : « من وعد لأحد على عمله ثوابا فهو منجز له ، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار » . يضاف إلى ذلك ان العقل يستحسن الوفاء بالوعد ، ولا يستقبح الخلف بالوعيد ، فما هو الوجه - إذن - لقوله تعالى : « ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ » ؟ . وأجاب بعض العلماء بأن اللَّه سبحانه لا يعفو جزافا ، بل لسبب موجب : والعفو كذلك ليس من تبديل القول في شيء . . ونضيف نحن إلى هذا الجواب ان المراد بالوعيد هنا الوعيد بعذاب « مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ » وليس كل وعيد وتهديد ، لأن هذا المعتدي الأثيم لا كفارة له ولا شفيع عند اللَّه - كما نظن - . ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) . هذا كناية عن شدة لهبها ، وأليم عذابها ، وانها لا تضيق بالمجرمين بالغا ما بلغ عددهم ، وقد وصف سبحانه جهنم في العديد من آياته بأوصاف رهيبة مخيفة تقشعر منها جلود الذين يخشون ربهم ، أما الذين في قلوبهم مرض فيسخرون منها وممن آمن بها