تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
( قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ) . والكتاب الحفيظ كناية عن انه تعالى أحاط بكل شيء علما . . وهذه الآية جواب عن شبهة أوردها منكرو البعث ، وتوضيحها ان جسم الإنسان بعد الموت تأكله الأرض ، ويصبح بعض ذراتها المنتشرة في شرقها وغربها ، فكيف تجمع وتعاد إلى ما كانت عليه ؟ فأجاب سبحانه عن ذلك بأنه يعلم أن الأرض تأكل جسم الميت وان أجزاءه تنتشر في شرقها وغربها ، ومع هذا فهو قادر على جمعها وإعادتها إلى الحياة .

شبهة الآكل والمأكول

: وتعرف هذه الشبهة عند الفلاسفة وعلماء الكلام بشبهة الآكل والمأكول . . وقد ذكرها الملا صدرا في المجلد الرابع من أسفاره ، وقال : « احتج من أنكر البعث بأنه « إن أكل الإنسان إنسانا فالأجزاء المأكولة ان أعيدت في بدن الآكل لم يكن الإنسان المأكول معادا ، وان أعيدت في بدن المأكول لم يكن الآكل معادا ، ولزم أن تكون الأجزاء المأكولة بعينها منعمة ومعذبة إذا أكل مؤمن كافرا . . وأجيب عن ذلك في الكتب الكلامية بأن المعاد هو الأجزاء التي منها ابتداء الخلق وهي الأعضاء الأصلية عندهم ، واللَّه يحفظها ، ولا يجعلها جزءا لبدن آخر » . ثم قال صاحب الأسفار ما معناه : ان هذا الجواب لا يفي بالغرض ، والحق ان كل ما هو ممكن في نظر العقل ، ودل عليه الوحي يجب الايمان به ، والبعث ممكن عقلا ، وثابت وحيا ، فوجب التصديق والايمان ، أما أقيسة الفلاسفة وأهل المنطق فما هي بمعصومة عن الخطأ . هذا ما قاله صاحب الأسفار ، وهو الذي اعتمدنا عليه ، وذكرناه مرارا فيما تقدم . . وحاول بعض الشيوخ أن يثبت البعث الجسماني بحكم العقل مع صرف النظر عن الوحي ، ولكنه لم يأت إلا بالتكلف والتمحل . ( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ) . المراد بالحق هنا القرآن ، وبالمريج المختلط المضطرب ، وقد وصف به سبحانه حال الذين قالوا عن رسول اللَّه ( ص ) : انه مجنون ، وتارة انه ساحر ، وأخرى انه كاهن ، وحينا انه شاعر . . وهكذا يخبط في التيه كل من حاد عن جادة الحق .