ولكن ليس معناه ان جميع العقائد والميول لا تتفق مع الحق والواقع ، والا استحال قول العدل والصدق . . وما على الإنسان إلا أن يجدّ ويجتهد في طلب الحق من مصدره ، لا من الميول والتقاليد . . وهذا ما نحاوله ونهدف إليه ، واللَّه من وراء القصد . ونعطف هذه الأسطر على الصفحات التي كتبناها في هذا الموضوع عند تفسير الآية 113 من سورة التوبة ج 4 ص 107 .
« وقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا » . في رواية ان رسول اللَّه ( ص ) قال : « والذي نفسي بيده لأدعون إلى هذا الأمر الأسود والأبيض ، ومن على رؤوس الجبال ، وفي لجج البحار ، ولأدعون أهل فارس والروم » ، ولما سمع ذلك عتاة قريش استعظموه ، وقالوا لرسول اللَّه ( ص ) : « كيف نتبعك وأنت على نيتك هذه ، ولو استجبنا لك لاجتمع الناس بما فيهم فارس والروم ، وتظاهروا على إخراجنا من ديارنا ، وهدموا الكعبة حجرا حجرا » . وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح سندا فان مضمونها يصلح تفسيرا لهذه الآية ، فلقد دعا رسول اللَّه الأسود والأبيض ، وأصر على دعوته ، وحاربه عتاة قريش من أجلها ، بالإضافة إلى أن هذه الرواية تنفق تماما مع قوله تعالى : « أَولَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا » . كيف تخافون يا أهل مكة من الناس ، واللَّه سبحانه قد منع بلدكم هذا وصانه من القتل والسبي والنهب منذ يومه الأول ، وجعل أفئدة من الناس تحمل إليه من كل الثمرات والطيبات ؟ « ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ » أن اللَّه سبحانه خص بلدهم بهذه المنقبة دون سائر البلدان .
« وكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ » . قالوا للرسول ( ص ) : نخشى الناس ان اتبعناك .
فأجابهم سبحانه في الآية السابقة : أتخافون من الناس وقد جعل اللَّه بلدكم حرما آمنا ؟ . . ثم قال لهم في هذه الآية : أتخافون من الناس ولا تخافون من اللَّه ؟
ألا تعتبرون بالأمم الماضية التي طغت وكفرت بأنعم اللَّه ، فأهلكها لكفرها به وبأنعمه ، وترك مساكنها خاوية على عروشها إلا من البقية الباقية ، أما أكثرها فلا وارث لها إلا وارث الأرض ومن عليها واليه المصير . وتقدم مثله في الآية 128 من سورة طه .
التفسير الكاشف — صفحة 78
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٧٨