ومرة بكلمة الساحر . . وهذا مألوف في الحوار عند الناس « فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ » . أخذهم اللَّه بالسنين ، فاستغاثوا بموسى وعاهدوا اللَّه أن يتوبوا إليه ان كشف عنهم العذاب ، ولكنهم نكثوا واستمروا على الكفر والضلال بعد أن كشف عنهم الرجز وشملهم برحمته وعنايته .
« ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ » . من تحتي كناية عن تصرفه في الأنهار كما يشاء . .
وقد استدل فرعون على عظمته وعلو شأنه بالمال والعقار . . ولا عجب ، فهذا هو المنطق السائد عند الأكثرية الغالبية في كل قطر وعصر . . وأصحاب المال في هذا العصر هم الحاكمون بأمرهم في كثير من البلدان « أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ » . مهين حقير لفقره ، ويبين يفصح ويوضح عما يريد .
وقد كان في لسان موسى لثغة فأزالها اللَّه سبحانه بدليل قول موسى لربه : واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي وقوله تعالى لموسى : قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى - 36 طه . وفرعون عيّر موسى بما كان ، لا بما هو كائن بالفعل .
« فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ » أي ملازمين لموسى تماما كما تلازم الرجل العظيم حاشيته . وقال المفسرون : جرت عادة قوم فرعون إذا اختاروا رئيسا لهم ان يسوّروه بسوار من ذهب ، ويطوقوه بطوق من ذهب علامة على رياسته ، ومن أجل هذا قال فرعون : كيف يكون موسى نبيا ، ولا سوار في يده ، ولا طوق في عنقه ، والذي جرأه على ذلك هو جهل قومه وضلالهم وضعف عقولهم كما قال سبحانه : « فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ » . في العام الماضي طلبت عاملا ليصلح خط الكهرباء في مكتبتي ، ولما رأى الكتب مبعثرة في كل جزء من الغرفة ذهل وقال : ان زوجتي تكرهني ، فأرجوك أن تكتب لها كتاب محبة . فقلت له : أنا جاهل بهذا الفن .
فقال : ولما ذا تقتني هذه الكتب ؟
« فَلَمَّا آسَفُونا » أي أغضبونا بتكذيب الرسول ، ونكث العهد وإصرارهم على الكفر والضلال « انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ » القائد منهم والمقود « فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً » أي متقدمين على غيرهم إلى النار « ومَثَلًا لِلآخِرِينَ » عبرة وعظة لمن
التفسير الكاشف — صفحة 553
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٥٥٣