يعانيه ، أما عذاب الآخرة فهو هو في شدته ، سواء أكان خاصا بالتابعين أم عاما لهم وللمتبوعين ، فاشتراك هؤلاء مع أولئك في العذاب لا يخفف منه شيئا ، ولا يجدي التابعين نفعا .
« أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ ومَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . لقد ختمت الشهوات على أعينهم وقلوبهم وآذانهم ، فكيف يرون الحق ويسمعون كلمته ؟
وتقدم مثله في الآية 42 من سورة يونس و 80 من سورة النمل و 52 من سورة الروم « فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ » . الخطاب لرسول اللَّه ( ص ) ، وضمير منهم وعليهم للمشركين ، والمعنى ان اللَّه سبحانه لا يدع المشركين على ما هم عليه ، فإن انتقل الرسول إلى رحمة ربه قبل أن يسلموا أو يستسلموا انتقم اللَّه منهم ، وان بقي الرسول حيا أظهره اللَّه عليهم وأخضعهم لأمره مرغمين ، وفاء لوعد اللَّه تعالى . وهذا ما حدث بالفعل .
فلقد دخل الرسول الأعظم مكة فاتحا واستسلم له عتاتها بعد أن أخرجوه منها خائفا يترقب . وتقدم مثله في الآية 46 من سورة يونس والآية 40 من سورة الرعد والآية 77 من سورة غافر .
« فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . اعتصم يا محمد بالقرآن لأنه الحق ، واللَّه معك لأنك على صراطه القويم ، وهو كافيك المستهزئين والمعاندين « وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ » أي ان القرآن شرف لك وللعرب لأنه رفع من شأنهم ونشر سلطانهم ولغتهم في شرق الأرض وغربها كما ذكرنا عند تفسير الآية 4 من هذه السورة . وتقدم مثله في الآية 10 من سورة الأنبياء « وسَوْفَ تُسْئَلُونَ » . أيها العرب عن العمل بالقرآن . . ولا شيء أهون اليوم عليهم منه ، ومن هنا أصبحوا أكلة سائغة لكل آكل وطامع .
« وسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ » .
اسأل يا محمد أهل الأديان واتباع من سبقك من الرسل : هل سمعوا بنبي من الأنبياء أجاز الشرك ، وأباح عبادة الأصنام ؟ وإذا كان جميع الرسول دعوا إلى التوحيد ونبذ الشرك كما دعا محمد فعلام أيها المشركون تعلنون الحرب عليه وعلى دعوته ؟
التفسير الكاشف — صفحة 550
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٥٥٠