« يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ » . ( إِنَّ اللَّهً هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) لا يمنع سائلا يسأله الرحمة والمغفرة أيا كان شريطة أن يسلك طريقهما ، وهو التوبة وصدق النية .
« والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ » .
يقول سبحانه لنبيه : أنت مبلَّغ تبشّر وتنذر فقط ، واللَّه هو الذي يحصي على العباد أعمالهم وأقوالهم ومقاصدهم ويحاسبهم عليها . وتكرر هذا المعنى في العديد من الآيات . وليس من شك انه لا قسر ولا جبر على الايمان ، ولكن من يعتدي على حرمة الناس يجب تأديبه وردعه لأنه هو الذي انتهك حرمة نفسه ، وأيضا من يولد على الإسلام ثم يرتد عنه يجب قتله ، وكذا المسلم إذا ترك الصلاة أو الصوم تهاونا فإنه ينبه ويعزر ، فإن أصر يقتل بعد التنبيه الرابع .
وعلى هذا يتحتم تفسير الآيات التي قالت للنبي : ما أنت عليهم بوكيل ، يتحتم تفسيرها وتخصيصها بغير هذه الموارد وما إليها من المستثنيات ، أو نقول : انها نزلت في زمان ما كان النبي يملك فيه القوة الرادعة المؤدبة .
« وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها » أي لتبدأ يا محمد أول ما تبدأ بالدعوة إلى الإسلام في بلدك مكة والبلدان التي حولها ، ثم تنتشر في أرجاء العالم ، كأية دعوة عامة تبتدئ حيث تولد ، ثم تنطلق إلى سائر الأقطار . انظر تفسير الآية 92 من سورة الأنعام ج 3 ص 225 « وتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ » . يوم الجمع هو يوم القيامة الذي نفى سبحانه الريب عن وقوعه ، وميّز فيه أهل الجنة عن أهل النار ، وانما سمي يوم الجمع لأن الخلائق تجتمع فيه للحساب والجزاء : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ - 104 هود .
« ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً » لو أن اللَّه حمل الناس على دين واحد بالقسر والجبر لزالت صفة الإنسانية عن الإنسان حيث يكون ، وهذه هي الحال ، بلا إرادة واختيار تماما كريشة في مهب الريح . وتقدم ذلك في الآية 48 من سورة المائدة والآية 93 من سورة النحل والآية 118 من سورة هود ، وتكلمنا عنه مفصلا عند تفسير الآية الأخيرة ج 4 ص 278 « ولكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي
التفسير الكاشف — صفحة 511
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٥١١