تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وأَشَدَّ قُوَّةً وآثاراً فِي الأَرْضِ ) . ان تاريخ أهل الأرض متخم بالعبر والعظات لمن يعتبر ويتعظ ، فكم من أمة بلغت الغاية من الترف والحضارة ، ولما طغت وبغت أخذها اللَّه بظلمها أخذ عزيز مقتدر ( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) من سلطان وأموال ، وما يبنون من قصور وقلاع . وتقدم مثله في الآية 109 من سورة يوسف و 46 من سورة الحج و 9 من سورة الروم . ( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) . المراد بفرحوا هنا اغتروا ، وبالعلم أسباب الثراء أي العلم العملي الذي ينتج الغذاء والكساء ، ويشير إلى ذلك قوله تعالى : « وأَشَدَّ قُوَّةً وآثاراً فِي الأَرْضِ » . وقال قارون : « إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي » لمن قال له : « وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ » والمعنى ان اللَّه أرسل فيما مضى رسله بالحجج القاطعة لأمم تملك أسباب الثراء كالمصانع ونحوها ، فاغتروا بهذه الأسباب أو بهذا العلم ، وسخروا من أنبياء اللَّه وكتبه تماما كما هي حال الشركات الاحتكارية اليوم التي تكفر بالحق والإنسانية وتسخر من قيمها ومن أماني الشعوب ( وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ ) أخذهم اللَّه بطغيانهم وأصابهم وبال استهزائهم . . وهذه نهاية كل من طغى وبغى وان طال الزمن . ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ) . حين كانوا في أمان من سطوة اللَّه كفروا به ، ولما رأوا العذاب قالوا آمنا ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ) لأن هذا ليس من الايمان في شيء ، وانما هو محاولة للفرار من عذاب الحريق ، ولكن أين المفر والإله الطالب ؟ ( سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ ) وهي ان اللَّه يسمع التوبة ويقبلها في دار التكليف والعمل ، لا في دار الحساب والجزاء ( وخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ) وكل مجرم فهو خاسر وخائب .