تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
بطون أمهاتهم ، والثانية الموت المعهود ، أما حياتهم الأولى فهي حياتهم في الدنيا ، والثانية البعث بعد الموت ، والمعنى ان أهل جهنم يتضرعون إلى اللَّه ، وهم في قعرها معذبون ، يتضرعون إليه تعالى ويقولون : إلهنا أنت القادر على كل شيء . أوجدتنا في الدنيا ، ثم أخرجتنا منها بالموت ، ثم بعثتنا بعده ، ونحن الآن بين يديك نادمين معترفين بالخطايا والذنوب ، فهل من سبيل إلى منك وكرمك بالخروج من النار ، ولك عهد الطاعة والامتثال ؟ « ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا » هذا جواب اللَّه سبحانه على قولهم : « فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ » ويتلخص الجواب بأن داعي اللَّه دعاكم إلى الحق ، وأنتم في الحياة الدنيا ، فكذبتموه ، ودعاكم داعي الشيطان إلى الباطل فأجبتموه . . والآن تدعون فلا تجابون ، واحدة بواحدة ، وقوله تعالى : « فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ » يومئ إلى أنه لا حكم غدا إلا للَّه وحده فلا عالي ولا كبير إلا هو : وعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً - 111 طه . « هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ » . أرانا سبحانه الكثير من الشواهد على وجوده وعظمته ، والدلائل على تدبيره وحكمته . في السماء والأرض ، وفي الإنسان والحيوان ، وفي المطر والزرع . . إلى ما لا نهاية ، وبديهة ان هذه الدلائل والشواهد - على الرغم من كثرتها - لا تظهر إلا لمن أبصر وتدبر ، أما تائه القلب فإنه في عمى عنها ، قال طاغور : ان اللَّه أبرز وجوده في قالب حي من صور الخليقة ، أبرزه في هذا التنسيق والانسجام بين قوى الطبيعة المتصارعة في وحدة شاملة تخضع جميعها لقانون رتيب لا تحيد عنه ، وفي الوقت نفسه تهدف إلى تحقيق غاية بعينها . . ان كل شيء في الطبيعة له وظيفة خاصة ، وعمل معين ، وهدف محدد يسعى إليه ، فما الحبة إلا عامل يكد ليبرز الشجرة الكامنة في أعماقها ، والشجرة بدورها تكد لتصل إلى الزهرة ، والزهرة تجاهد في سبيل الثمرة ، ولا يدرك هذا إلا صاحب القلب السليم » . والمراد بصاحب القلب السليم هو المراد بالذات من قوله تعالى : « وما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ » .
التفسير الكاشف — صفحة 442 | محمد جواد مغنية