في مكة ، ونزوجك من نسائنا ما تريد شريطة أن تكف عن دعوتك ، فنزلت هذه الآية ، وسواء أصحت الرواية أم لم تصح فإنها أوضح تفسير للآية . ومن المفيد أن نقتطف الجمل التالية من مقال للمرحوم مصطفى صادق الرافعي بعنوان « الدرهم والدينار » :
« رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على الناس في الحلال والحرام . . وتسخر منهم الحقيقة بذات الأسلوب الذي تسخر به من لص يعظ لصا آخر ، ويقول له :
لا تسرق » . . وأيضا ينطبق هذا على كثير من الصحفيين والسياسيين وغيرهم من الأحزاب التي تحمل شعارات وطنية وإنسانية . . ثم قال الرافعي : « من يعظم الدرهم والدينار فإنما يعظم النفاق والطمع والكذب . . ان هيبة الإسلام في بذل الحياة لا في الحرص عليها ، وفي تعاون المؤمنين لا في تعاديهم ، أما الغنى فإنه يقاس بما يعمل بالمال لا بما يجمع منه » .
« ولَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » . المراد بالإحباط عدم الثواب . والشرك محال على الأنبياء ، ولكن فرض المحال ليس بمحال ، هذا إلى أن التحذير من الفعل لا يدل على أنه محتمل الوقوع ممن حذّر وأنذر ، والمعنى ان اللَّه لا يقبل العبادة من أحد إلا إذا كانت خالصة لوجهه الكريم من كل شائبة ، ومن عبد مع اللَّه إلها آخر فلا يستحق الثواب على عبادته حتى ولو كان كالنبي في عبادته . وتكلَّمنا عن الإحباط مفصلا في ج 1 ص 326 .
« بَلِ اللَّهً فَاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » . هذا أمر في الظاهر ، وإخبار في الواقع عن أن الرسول الأعظم ( ص ) لا يعبد إلا اللَّه ، ولا يشكر أحدا سواه ، وإنما جاء بصيغة الأمر للتنبيه على أن العبادة والشكر يجب أن يكونا للَّه الواحد الأحد . . هذا ، إلى أن اللَّه سبحانه كثيرا ما يخاطب العموم بشخص نبيه الكريم :
وأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . . فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . . وأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ الخ .
« وما قَدَرُوا اللَّهً حَقَّ قَدْرِهِ » لأنهم كفروا به ، وآمنوا بالأصنام وبالدرهم والدينار « والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » . هذا
التفسير الكاشف — صفحة 430
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٤٣٠