مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ - 29 الطور . ومنها ما حكاه سبحانه عن المشركين :
أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ - 36 الصافات . ومنها : بَلْ هُوَ شاعِرٌ - 5 الأنبياء .
ومنها الآية التي نحن بصددها « وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ويَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ » . المراد بالحي هنا من أحيا عقله بالتدبر والتأمل ، وتفتّح قلبه للحق والخير ، وبالقول كلمة العذاب تماما كقوله تعالى : ولكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ - 71 الزمر . . قال المشركون : القرآن الذي جاء به محمد ( ص ) ما هو إلا شعر يعبر عن تفكيره وخياله ، وليس بوحي من عند اللَّه . . فردّ عليهم سبحانه بأن الشعر يرتكز على عاطفة الشاعر وميوله وأهوائه ، يناصر يحب وان كان مبطلا ، ويقاوم من يكره وان كان محقا ، والقرآن هو القول الجد والفصل ، وما هو بالهوى والهزل ، هو كتاب عقيدة وشريعة ، وأخلاق وعظات ، وفيه علم وفكر ، وأين الشعر من ذلك ؟ .
ولو كان القرآن من صنع محمد ( ص ) لبث فيه آلامه وأحزانه وحياته وأزماته ، تماما كما هو شأن الشعراء . . مع العلم بأن القرآن في معزل عن مشاكل محمد ( ص ) ومشاغله .
بقي أن نشير إلى أن النبي ( ص ) كان يقدر الشعر ويحترمه كفن له أثر ايجابي في التعبير عن رغبات الجماهير وأمانيها . . وقد اشتهر أنه قال : « ان من البيان لسحرا ، وان من الشعر لحكمة » . وكان يدعو بالتوفيق والتسديد للشعراء الذين ناصروا الحق وأهله . . وخلع بردته على كعب بن زهير تكريما له حين مدحه بقصيدته الشائعة الذائعة المعروفة بقصيدة البردة ، ومطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم أثرها لم يفد مكبول
ومنها :
ان الرسول لنور يستضاء به * وصارم من سيوف اللَّه مسلول
أنظر تفسير الآية 4 من السورة التي نحن بصددها ، فقرة « الموسيقى الباطنية في القرآن » ، وتفسير الآية 224 من سورة الشعراء ج 5 ص 524 .
التفسير الكاشف — صفحة 323
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٣٢٣