تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) . حذّر سبحانه العباد من الشيطان ووسوسته ، ونهاهم عن طاعته ، وأرشدهم إلى طريق الخير والهداية ، فأطاع الكثير منهم الشيطان وعصوا الرحمن ، وإلى هذا أشار بقوله : « ولَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ » . الجبلّ الخلق ، وكل من سلك مسلك الهالكين بعد أن حذّر وأنذر فهو في عمى عن نور العقل وهدايته ، ولا جزاء لمثله إلا العذاب الذي أشار إليه سبحانه بقوله : « هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » بها على ألسنة الرسل ، وتسخرون منها ومنهم « اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » . وهذا مصير كل من ضيع وفرط . « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » . كل جارحة للعصاة الطغاة ينطقها اللَّه غدا لتشهد على صاحبها بما اجترح من السيئات ، فاليد تشهد عليه بما ضرب وسرق وكتب وأشار ، والرّجل بما سعى ، والعين بما نظر . . وهكذا . وتسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى هنا : « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ » وقوله في الآية 24 من سورة النور : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ فقد أثبت لهم النطق هنا ونفاه هناك ؟ الجواب : ان للعباد غدا مواقف لا موقفا واحدا ، يؤذن لهم بالكلام في بعضها دون بعض ، قال تعالى : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ - 105 هود . « ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ » . لو أراد سبحانه أن يعاقب المجرمين في الدنيا لأعمى أبصارهم فلا يهتدون إلى شيء ، ولمسخهم تماثيل جامدة لا حراك فيها ولا حياة « ومَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ » . نكس الشيء هو جعل أسفله أعلاه ، وكلما تقدم الإنسان في السن تقهقر إلى الوراء ، فيخرف بعد الإدراك ، ويضعف بعد القوة . . والغرض من هذا البيان هو الإشارة إلى أن اللَّه سبحانه قد أمدّ الإنسان بحياة كافية وافية لأن يهتدي فيها ويعمل صالحا ، وانه لو عمّر أكثر من المعتاد لأقعده العجز والمرض ، وكان