تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وهذه أيضا إحدى ظواهر الإعجاز في القرآن . . وختم الكاتب صاحب كتاب « اللَّه والإنسان » مقاله الطويل بقوله : « ان القرآن لفظا ومعنى من اللَّه الذي أحاط بكل شيء علما » . « لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ » . بعد أن ذكر سبحانه ان محمدا ( ص ) هو رسول اللَّه حقا ، وان القرآن تنزيل من العزيز الرحيم - بيّن مهمة القرآن وانه يهتف بالزواجر عن محارم اللَّه في إسماع العرب الغافلين عن اللَّه والحق دون ان ينذرهم منذر قبل رسول اللَّه ( ص ) . وعند تفسير قوله تعالى : وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ - 24 فاطر قلنا : ان المراد بالنذير في هذه الآية كل ما تقوم به الحجة من العقل والنقل ، وان المراد بالنذير في الآية التي نحن بصددها هو النبي بالخصوص . « لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » . المراد بالقول هنا الوعيد بالعذاب ، وضمير أكثرهم يعود إلى الآباء في قوله تعالى : « ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ » أي آباء العرب الذين كانوا في عهد رسول اللَّه ( ص ) حيث مات أكثرهم على الشرك ، والقليل القليل منهم كانوا على دين التوحيد . أنظر تفسير الآية 107 من سورة الإسراء ، فقرة « الحنفاء » ج 5 ص 96 . « إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ » . الأغلال جمع غل وهو الطوق من الحديد ، والأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللَّحيين . . وإذا شدت الأيدي بالأغلال إلى الأعناق ارتفع الرأس إلى فوق ، واستحال على المغلول ان يلتفت يمنة ويسرة أو ينظر إلى الأمام فهو أبدا ينظر إلى السماء ، وهذا هو المقمح « وجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » . يجعلهم اللَّه يوم القيامة بين سدّين من نار : واحد من أمامهم وآخر من خلفهم لا يجدون متقدّما عنهما ولا متأخرا ولا يبصرون سماء ولا غيرها لأن السدين قد أعميا أبصارهم . . وغير بعيد أن يكون هذا كناية عن أليم العذاب وشدته ، ومهما يكن فإن هذا العذاب وما إليه لا يختص بالمشركين ، بل يعم كل مجرم وظالم ، قال الإمام علي ( ع ) : « أما أهل معصيته فأنزلهم شر دار ، وغل الأيدي إلى الأذقان ، وقرن النواصي بالأقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ، ومقطعات