تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
« صباح الخير » تاريخ 1 - 1 - 1970 بعنوان « المعمار القرآني » نقتطف منه ما يلي : « اني أحار في وصف الشعور الذي تلقيت به أول عبارة من القرآن . . فكانت كلماته تسعى إلى نفسي وكأنها مخلوق حي مستقل له حياته الخاصة . . وقد اكتشفت دون أن أدري حكاية الموسيقى الداخلية الباطنية في العبارة القرآنية ، وهذا سر من أعمق الأسرار في التركيب القرآني . . انه ليس بالشعر ولا بالنثر ولا بالكلام المسجوع ، وإنما هو بيان خاص من الألفاظ صيغت بطريقة تكشف عن الموسيقى الباطنية فيها . . ان الموسيقى المألوفة تأتي من الخارج ، وتصل إلى الاذن من خارج العبارة ، وليس من داخلها ، بل من البحر والوزن والقافية ، أما موسيقى القرآن فتخلو من القافية والوزن والتشطير ومع ذلك فهي تقطر من كل حرف . . من أين ؟ وكيف ؟ هذا سر من أسرار القرآن لا يشاركه فيه أي تركيب أدبي . . انه محير لا ندري كيف يتم . . انه نسيج وحده بين كل ما كتب باللغة العربية سابقا ولاحقا . وتقليده محال » . أجل ، ان تقليده محال . . وهنا يكمن سر الاعجاز . . وبعد أن قدم الكاتب العديد من الشواهد على هذه الحقيقة من كلمات اللَّه وآياته قال : « وليست الموسيقى الباطنية هي كل ما انفردت به العبارة القرآنية ، بل إن مع هذه الموسيقى صفة أخرى تشعرك بأنها من صنع الخالق لا من صنع المخلوق . . اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بكلمة رقيقة مهذبة لا تجد لها مثيلا ولا بديلا في أية لغة : « فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً - 189 الأعراف . هذه الكلمة تغشاها . . تغشاها . . يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلان ، وكما تذوب الألوان بعضها في بعض . . هذا اللفظ العجيب يعبر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير . . لقد انفرد القرآن بخاصة عجيبة تحدث الخشوع في النفس ، وتؤثر في الوجدان والقلب بمجرد أن تلامس كلماته الأذن ، وقبل أن يبدأ العقل في العمل ، فإذا بدأ يحلل ويتأمل اكتشف أشياء جديدة تزيده خشوعا ، ولكنها مرحلة ثانية قد تحدث وقد لا تحدث ، قد تكشف الآية عن سرها وقد لا تكشف ، قد تؤتي البصيرة وقد لا تؤتي ، ولكن الخشوع ثابت ومستقر » .
التفسير الكاشف — صفحة 301 | محمد جواد مغنية