تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١

لماذا خلق اللَّه الإنسان

؟ قرأت لكاتب يقول : « من الأسئلة التي لا جواب لها هذا السؤال : لما ذا خلق اللَّه الإنسان ؟ » . وما من شك ان كل واحد يتمنى لو عرف الجواب عن هذا السؤال لأنه يرتبط ارتباطا طبيعيا ومباشرا بوجوده وحقيقته ، ولا أخفي سرا كان في نفسي ، وهو اني قرأت أجوبة كثيرة عن هذا السؤال للفلاسفة وعلماء الكلام وغيرهم من القدامى والجدد ، ولكني لم اقتنع بشيء منها بيني وبين نفسي . . مع أن هذا السؤال قد وجه إليّ أكثر من مرة ، وأجبت عنه بما أجابوا لا لشيء إلا لأني لا أملك غير ما قالوا ، والا لأني أريد أن أجيب . وحين باشرت بتفسير آي الذكر الحكيم نسيت السؤال وما كنت أحفظ من جوابهم لأن « التفسير الكاشف » أفقدني كل شيء حتى ذاكرتي ، ولم يدع لي إلا البصيرة التي أهتدي بها إلى معاني كتاب اللَّه وأهدافه وربطها بواقع الحياة . . وما مضيت في التفسير إلا قليلا حتى وجدت الجواب في آيات اللَّه واضحا لا يقبل الشك والتأويل . . ولا بدع فان خالق الشيء هو أعلم بما أراد من خلقه . . وجدت في كتاب اللَّه آيات تدل دلالة واضحة على أن الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا ، لحياة طيبة لا مشاكل فيها ولا تعقيد . ولكن شاءت حكمة الخالق ان يربط بين الحياة الطيبة في الآخرة التي خلق الإنسان من أجلها وبين صدق الايمان بالحق والإخلاص له والعمل لحمايته ، كما قضت حكمته تعالى ان من لا يؤمن بهذا الارتباط ، أو يؤمن به نظريا ولا يعمل له - أن يحاسبه حسابا عسيرا ، ويعذبه عذابا أليما لأنه جهل أو تجاهل الغاية التي من أجلها وجد ، وتنكب عن الطريق السوي بسوء اختياره بعد أن أرشده اللَّه إليه ، وأمره بسلوكه . . وبكلام آخر ان حياة الإنسان في واقعها باقية ببقاء خالقها ، وإنما وضعه تعالى في دار الدنيا مؤقتا والى حين ، ثم ينتقل به إلى دار القرار ، وأمره أن يعمل للدارين معا ، ويحتاط لما يمكن أن يقع له في الدار الأولى ، ولما هو واقع لا محالة في الدار الثانية ، فإن امتثل وأطاع فقد اختار لنفسه الأمن والفلاح تماما كمن سافر ، وهو مزوّد بما يحتاج إليه في سفره ، ومن أعرض