تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
مقيم ولا ظاعن ، وبعد الموت يبعث ويسأل عما ترك من الواجبات ، وفعل من المحرمات ، ومنها الإقامة في بلد يضطر فيه إلى ترك العبادات وشرب المسكرات . « والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها » . من يخرج من بيته مهاجرا إلى اللَّه عوّضه تعالى خيرا منه غرفا وأشجارا وأنهارا في دار السلام والمقام « نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » ، وأي أجر أعظم من الجنة ؟ ولأنها عظيمة كان ثمنها غاليا وعظيما ، وهو ان يرفض مبتغيها الاستسلام لأعداء اللَّه ، والخوف إلا من اللَّه ، وان يخلص للَّه وحده ، ويصبر من أجل ذلك على الخطوب والأحداث أيا كان نوعها .

الرزق والثقة بالمخلوق دون الخالق

: « وكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . ان كثيرا من الناس يؤمنون - نظريا - باللَّه ، وان أرزاق الخلائق بيده وحده ، وان خزائنه لا نفاد لها ولا نهاية ، وانه كريم لا يخيب من توكل عليه ، ووثق به ، يؤمن بهذا نظريا ، ولكنه يكفر باللَّه - عمليا - ويثق بالمخلوق دون الخالق ، ويتقرب إليه بما فيه ذهاب دينه وضميره طامعا بما في يده من جاه ومال ، ويبتعد عن اللَّه يائسا منه ومن جوده وخزائنه . . وهذه الآية تقريع وتهديد لهذا المؤمن الكافر . ان اللَّه سبحانه هو خالق الكون بما فيه ، وأسباب الرزق بشتى أنواعها تنتهي إليه ، وهي مهيأة لكل طالب وراغب إذا سعى لها سعيها ، وان تعذر منها سبب تهيأ للراغب ما هو خير وأجدى من حيث لا يحتسب بشهادة الحس والعيان ، بل إن كثيرا من الكائنات الحية لا تعمل للرزق ولا تحمله ، ومع هذا يأتيها رغدا عند حاجتها إليه . . وفي هذا عظة للخائنين العملاء ، ولكل من باع دينه للشيطان ، واتخذ من معصية اللَّه ذريعة للرزق ولقمة العيش ، وحاشا للَّه أن ينهى عن شيء ويحصر سبب الرزق فيه ، كيف ودينه دين الحياة ! قال الإمام علي ( ع ) :
التفسير الكاشف — صفحة 123 | محمد جواد مغنية