تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
المعنى : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) . ان في ذلك إشارة إلى أخذه تعالى للقرى الظالم أهلها بالعذاب الشديد ، والمعنى ان في هذا الأخذ الأليم عبرة لمن آمن باللَّه ، وتذكيرا لمن يخاف عذاب يوم تشهده جميع الخلائق حين يجمعهم اللَّه فيه للحساب والجزاء . وتسأل : ان الطوفان أو الزلزال ونحوه كثيرا ما يحدث لأسباب طبيعية ، والطبيعة عمياء لا تميز بين المؤمن والجاحد ، والمجرم والبريء ، فمن الجائز أن يكون الذي حدث لأقوام الأنبياء من هذا الباب ؟ الجواب : لقد كان النبي ينذر قومه بحدوث العذاب ، ويحدد نوعه ووقته قبل حدوثه ، فيأتي قوله على وفق الواقع ومن صلبه ، ولا يمكن تفسير ذلك بالتنبؤ العلمي حيث لا مراصد ولا أدوات للعلم في ذاك العهد ، وأيضا لا يمكن تفسيره بالبديهة والحدس لأن النبي كان يخبر عن ثقة وبلسان الجزم ، ويقول : هذه هي الحقيقة وسترون ، ولا بالصدفة لمكان التكرار ، وإذا بطلت جميع هذه الفروض والتفسيرات تعين التفسير بالوحي ومشيئة اللَّه لأنه هو وحده الفرض الصحيح . ( وما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ ) . لكل شيء عند اللَّه مدة وأجل لا يسبقه ولا يتجاوزه ، ومن ذلك فناء الدنيا ومجئ الآخرة ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) فيؤذن لها بالكلام والدفاع في موقف دون موقف ، كما هو الشأن في الكثير من محاكم الدنيا ( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ) وشقاوة الإنسان غدا أو سعادته انما تكون بعمله في الدنيا ، لا بقضاء اللَّه وقدره ، أما خبر « الشقي شقي في بطن أمه ، والسعيد سعيد في بطن أمه » فمشكوك فيه ، وظاهره يناقض عدل اللَّه ورحمته . . إلى جانب انه من اخبار الآحاد ، وهي حجة في الأحكام الشرعية كالحلال والحرام والطاهر والنجس ، لا في أصول العقيدة وما يتصل بها . ثم حدد أهل الشقاوة بقوله : ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ) . وبديهة ان اللَّه لا يعذب إلا من تمرد وأفسد ، فالشقاوة - إذن - تكون بالكسب والعمل ، لا بالقضاء والقدر . . والزفير والشهيق كناية عن أحزان أهل النار