تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
وآلامهم ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) . وقد أطال المفسرون الكلام حول التعليق على مشيئة اللَّه هنا ، وذكروا وجوها جعلت المعنى من الطلاسم والمتشابهات ، وهو من المحكمات والواضحات ، ويتلخص بأن من يدخل جهنم بأي ذنب من الذنوب فلا يستطيع الخروج منها بنفسه ، ولا بشفيع ومعين ، ولا بفداء ، فهو من هذه الجهة خالد فيها . . ولكن إذا شاء اللَّه أن يخرجه منها خرج ، وانتفى عنه وصف الخلود في النار ، لأن إرادته تعالى لا يحدها شيء ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) ، وكل شيء يرجع في النهاية إلى إرادته ولا ترجع إرادته إلا إليه وحده ، فسبب الخلود يؤثر أثره ما دام الخالق مريدا له ذلك وان لم يشأ لم يكن عملا بمبدأ : « إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون » . وكما حدد أهل الشقاوة بالخالدين في النار حدد أهل السعادة بالخالدين في الجنة ( وأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) أي غير مقطوع . وتسأل : ان من يدخل الجنة فلا يخرج منها ، إذن ، ما هو القصد من التعليق على مشيئة اللَّه تعالى ؟ . وقيل في الجواب : ان اللَّه يخرجهم من نعيم الجنة إلى نعيم مثله أو أحسن . . أما الذي نفهمه نحن من هذا التعليق فهو مجرد الإشارة إلى قدرة اللَّه وعظمته ، وان الأسباب المعروفة انما تفعل فعلها إذا لم تصطدم بإرادته تعالى ، فالنار تحرق إذا لم يقل لها الخالق : كوني بردا وسلاما . ( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ) . الخطاب لمحمد ( ص ) ، وهؤلاء إشارة إلى قومه الذين كذبوه ، وما شك محمد ، ولن يشك أبدا في أنهم على باطل في عبادتهم ، ولكن القصد توبيخهم وتحذيرهم ( ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ) . هذا تعليل لليقين وعدم الريب في بطلان ما يعبد هؤلاء ، لأنه مثل ما عبد الأولون الذين جل بهم العذاب لشركهم وعبادتهم الأصنام . ( وإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) تماما كما وفينا لآبائهم النصيب الذي استحقوه من العذاب ، ولم ننقص منه شيئا . وتسأل : ان هذا تقنيط من عفو اللَّه ورحمته ، وهو يتنافى مع قوله تعالى : « قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ 52 الزمر » .