تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
خارقا لجميع الأسباب المألوفة ، فيوجد بلا سببه المألوف كطوفان نوح ، وما إليه من المعجزات . . وقد شاء اللَّه تعالى ألا تظهر هذه المعجزات الخارقة للنواميس الا بوجود نبي من الأنبياء اثباتا لنبوته ، أو استجابة لدعوته ، أو انتقاما من أعدائه . . ومن أجل ذلك كانت نادرة الوقوع . وبكلمة ان جريان الأشياء في هذه الحياة على أسبابها شيء ، والمعجزة التي تستند إلى مشيئة اللَّه مباشرة شيء آخر . ( قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ) . هذا كذب منهم وبهتان ، لأن اللَّه سبحانه ما أرسل رسولا إلا وزوده بالحجة الكافية الوافية على رسالته ، ولكن قوم هود أبوا الاستجابة له ولحججه وبيناته لأنها تخالف أهواءهم ، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أقوام الأنبياء والرسل : « كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ - 71 المائدة » . ( وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ ) قال صاحب المغني : ( عن ) هنا للتعليل ، والمعنى لا نترك الشرك لمجرد قولك اتركوه بلا بينة ودليل ( وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) هذا توضيح وتأكيد لقولهم : ( وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا ) . وعلى هؤلاء وأمثالهم يصدق قول من قال : الإنسان هو الذي خلق الآلهة ، وليست الآلهة هي التي خلقت الإنسان . ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ) . ان قولهم هذا يصور مدى جهلهم وإيمانهم بالخرافات والأساطير . . أحجار صماء يعتقدون انها تضر من ينهى عن عبادتها ! . . ومتى بلغ الإنسان هذا الحد من الجهل فلا يجدي معه شيء ، ولذا وصفه اللَّه في العديد من آياته بالأعمى والأصم . ( قالَ » - لهم هود - « إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهً واشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) . لما قالوا لهود ( ع ) : ان بعض آلهتنا أصابك بسوء تحداهم بأن يجتمعوا هم وآلهتهم ، ويبذلوا كل جهد لايذائه ، وهو على استعداد لتحمل النتائج ، ويتضمن تحديه هذا التنبيه إلى انهم مغفلون ومخدوعون . ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ ) هذا تعليل لعجزهم عن إيذائه واستخفافه بهم وبأصنامهم ( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ) فالكل في قبضته تعالى ، ولا يملك أحد معه لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
التفسير الكاشف — صفحة 240 | محمد جواد مغنية