صاحبه يجبن عن قول الحق وفعله خوفا عليه ، كما يجبن خوفا على ولده ، وهو مبخلة لأن مالكه يبخل به حرصا عليه كما يحرص على ابنه ، وهو محزنة لأن جامعه يحزن إذا أصيب به كما يحزن إذا أصيب بثمرة فؤاده . وأحسن ما قرأت في هذا الباب قول أعرابي في ولده :
أحبه حب الشحيح ماله * قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بدا له وأَنَّ اللَّهً عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ والعاقل يرغب في هذا الأجر العظيم ، ويسعى إليه بالجهاد والعمل الصالح ، ولا يؤثر عليه مالا يفنى ، وولدا لا يبقى .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهً يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً » . كثيرا ما يقع الإنسان فريسة للعاطفة ، فتصور له الحسن قبيحا ، والقبيح حسنا ، وأكثر ما يكون ذلك فيما يتصل بماله وولده ، حيث تبلغ العاطفة ذروتها ، ومن أجل هذا أمر سبحانه بالتقوى بعد أن حذر من الافتتان بالأموال والأولاد ، أما الفرقان أي الهداية التي يمنحها اللَّه للمتقين ليميزوا بها بين الحق والباطل ، أما هذه الهداية فهي نتيجة حتمية للتحرر من الأهواء والأغراض ، لأن الهوى يعمي ويصم . .
ونسب اللَّه الهداية إليه لأنه هو الذي أقام عليها الدلائل ، ومن نظر إليها مجردا عن كل غاية إلا طلب الهداية إلى الحق فإنه بالغها لا محالة .
« ويُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . قال المفسرون :
المراد بتكفير السيئات سترها في الدنيا ، وبالمغفرة الصفح عنها في الآخرة ، قالوا هذا فرارا من التكرار . . أما نحن فلا نفر من التكرار في القرآن ، وبينا وجهه في المجلد الأول والثاني . . والمعنى المراد من مجموع الآية أن من يتقي اللَّه يمنحه الهداية والصفح والثواب ، وما ذلك على اللَّه بكثير ، لأنه عظيم الأفضال ، وعطاؤه سهل المنال يبلغه كل طالب وراغب في مرضاته تعالى .
التفسير الكاشف — صفحة 470
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٤٧٠