تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
اختار لرميته كف محمد ( ص ) الذي فضله على جميع خلقه ، وخصه برسالته التي عمت رحمتها جميع العالمين . وروي ان النبي أخذ يوم بدر قبضة من الحصى أو التراب ، ورمى بها المشركين ، وقال : شاهت الوجوه ، فأعقب ذلك هزيمتهم . وغير بعيد أن تكون هذه الرواية صحيحة ، وأيضا غير بعيد أن يكون المراد بالرمية تدبير الأمر وأحكامه ، ومهما يكن ، فان مشيئة اللَّه هي سبب الأسباب ، بها وجد محمد ( ص ) والحصى والكون بما فيه ، فان أي سبب مباشر أو غير مباشر لأية حادثة من الحوادث فإنها تنتهي إلى قوة عليا وجدت من غير موجد ، وإلا كانت كلمة الوجود لفظا من غير معنى ، تماما كما لو قلت : لا أحد يعطي المال ، حتى يأخذه من غيره فان هذا تعبير ثان عن قولك : لا أحد يعطي المال على الإطلاق ، لأنك نفيت الأصل الذي يعطي ولا يأخذ ، وبانتفاء الأصل ينتفي الفرع . « ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً » . البلاء والابتلاء يستعملان بمعنى الاختبار ويكون الاختبار بالنعمة لإظهار الشكر ، وبالمحنة لإظهار الصبر ، وأيضا يستعمل كل من البلاء والابتلاء بالإعطاء ، وهذا المعنى هو المراد بالبلاء في الآية ، أما المراد بالحسن فهو النصر والغنيمة ، أي ان اللَّه سبحانه أمر المسلمين بالثبات والصبر وعدم الفرار من الزحف ، ومهد لهم السبيل إلى ذلك ليتم عليهم نعمته بالنصر والغنيمة « إِنَّ اللَّهً سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . فقد سمع استغاثة المسلمين واستجاب لهم لأنه علم منهم صدق النية وصحة العزم . « ذلِكُمْ وأَنَّ اللَّهً مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ » . ولا نعمة أجل وأعظم من ضعف العدو ، وإبطال كيده وحيله « إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً ولَوْ كَثُرَتْ وأَنَّ اللَّهً مَعَ الْمُؤْمِنِينَ » . الخطاب في أن تستفتحوا وان تنتهوا وان تعودوا وفي لكم وعنكم وفئتكم ، كل أولاء للمشركين بقرينة السياق واستقامة المعنى . وروي ان المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة ، فاستنصروا اللَّه ، وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين ، وأكرم الفئتين . فأجابهم اللَّه بقوله : ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح الخ . أي إن تستنصروا للأعلى والأهدى فقد استجاب اللَّه ونصر