تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
« وقالَ مُوسى لأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ » . لما ذهب موسى ( ع ) استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل ، ونصحه أن يقوم على شؤونهم ويصلح أمورهم ، وحذره من طبيعتهم التي هي إلى الفساد أميل ، فبالأمس القريب اشرأبت نفوسهم إلى عبادة الأوثان ، وقال لهم موسى : انكم قوم تجهلون كما سبق في الآية 138 . فتقبل هارون النصيحة عن طيب خاطر ، كما يتقبلها المرؤس المخلص من رئيسه الناصح الأمين . « ولَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا » الذي وقّته سبحانه لاعطاء التوراة « وكَلَّمَهُ رَبُّهُ » من وراء حجاب : وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا - 51 الشورى « قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » . قال بعض العلماء : ان موسى لم يسأل رؤية اللَّه من أجل نفسه ، وإنما سألها من أجل قومه . وهذا القول يتنافى مع قول موسى : « سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ » . ومهما يكن ، فان موسى قد طلب الرؤية ، سواء أكان من أجله أم من أجلهم . . ونحن لا نرى أي بأس في هذا الطلب ، فان نفس الإنسان تتشوف إلى ما يكون وإلى ما لا يكون ، بخاصة إلى الرؤية التي تزيد النفس اطمئنانا وتأكيدا ، وقد طلب إبراهيم ( ع ) ما يشبه ذلك : وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي - 260 البقرة . « قالَ لَنْ تَرانِي » . لأن رؤية اللَّه بالبصر محال ، وتكلمنا عن ذلك مفصلا عند تفسير الآية 51 من سورة البقرة ج 1 ص 102 فقرة رؤية اللَّه « ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي » . تلفت موسى إلى الجبل ليرى اللَّه فإذا به قد غار في الأرض ، ولم يبق له عين ولا أثر . وقد أراد اللَّه بهذا أن يفهم موسى ( ع ) ان رؤية اللَّه ممتنعة عليه وعلى غيره . . علق سبحانه إمكان رؤيته على استقرار الجبل ، والمفروض انه لم يستقر ، إذن ، فالرؤية ممتنعة وغير ممكنة . . وهذا الأسلوب من باب افعل هذا إذا شاب الغراب ، وإذا دخل الجمل في سم الخياط . « فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا » . أي فلما ظهر أمر ربه ، تماما كقوله تعالى : وجاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا أي جاء أمر ربك « وخَرَّ مُوسى صَعِقاً » . غاب عن وعيه لهول المفاجأة ، فلطف اللَّه به وشمله برحمته ، فأفاق