تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩

اليهود وإعجاز القرآن

: ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) . عند تفسير الآية 23 - 25 من سورة البقرة ، المجلد الأول ص 65 ، فقرة « سر الاعجاز في القرآن » تعرضنا لهذا السر على سبيل الإجمال ، لأن التفصيل يستغرق كتابا في حجم هذا المجلد . . وبعد ان مضينا في التفسير اكتشفنا أسرارا لإعجاز القرآن لم يتنبه إليها من سبق من علماء المسلمين ، حتى الذين ألفّوا كتبا خاصة في اعجاز القرآن ، وما كان هذا عن قصور أو تقصير منهم . . حاشا ، ولكن كتاب اللَّه لا تنقضي أسراره وعجائبه : « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً - 110 الكهف » . وقد أصاب من هذه الكلمات كل بقدر ما أسعفه عصره ومواهبه ، فان الزمان عنصر فعال في الكشف عن معاني القرآن وأسراره ، قال ابن عباس : « في القرآن معان سوف يفسرها الزمان » . ومن هذه المعاني ما أومأت إليه الآية 53 من هذه السورة : « أَمْ لَهُمْ - أي لليهود - نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً » . وذكرنا عند تفسيرها وتفسير الآية 46 من السورة نفسها تنبؤ القرآن بفظائع اليهود وجرائمهم إذا ملكوا ، وبعد نيف وثلاثة عشر قرنا تحقق هذا التنبؤ ، وهذا دليل قاطع على نبوة محمد ( ص ) وصدق رسالته . . وهذا هو الاعجاز الذي أردناه من قولنا : لم يتنبه إليه العلماء والمفسرون ، لأن اليهود كانوا آنذاك أذلاء محكومين ، لا نصيب لهم من الملك في فلسطين ولا في غيرها . ومن جملة الأدلة على أن القرآن وحي من اللَّه قوله تعالى : ( ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) من هذا الاختلاف عدم التناسق والتناسب في أقوال البشر أسلوبا وتفكيرا . . . فما من عالم أو أديب أو أي انسان إلا ويختلف قوة وضعفا في تعبيره وتفكيره ، أما القرآن فهو على مستوى واحد في بلاغة أسلوبه ، وعظمة معانيه . والسر ان للإنسان ظروفا وحالات تختلف وتتغير من حين إلى حين ، بل من لحظة إلى لحظة ، وهو تابع لها يتقلب بحسبها ، ولا ينفك تغيره عن تغيرها