تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
ودفع ، وتفاعل مستمر ، ومن هذا التفاعل تتولد الظواهر الطبيعية ، كالزوابع والعواصف ، والحر والبرد ، والمطر والصحو ، وما إلى ذلك من آثار الطبيعة خيرها وشرها ، وعلى هذا يدور الأمر بين اثنين لا ثالث لهما : أما ان لا يوجد الكون من رأس ، واما أن يوجد بخيره وشره ، وهذا هو معنى القول المشهور : « ليس بالإمكان أبدع مما كان » . كما أنه يتفق تماما مع قول علماء الطبيعة : ان في كل جزء من أجزائها قوة موجبة ، وأخرى سالبة . وبهذا يتبين معنا ان قول القائل : لما ذا لم يخلق اللَّه الطبيعة من غير شر ، ان هذا أشبه بقول من قال : لما ذا لم يخلق اللَّه نارا ، لا حرارة فيها ، وثلجا ، لا برودة فيه ، وعقلا لا ادراك له ، وحياة لا حراك فيها ، وموتا ، لا جمود فيه . . ان هذا السؤال تعبير ثان عن هذيان المحموم ، وقوله : لما ذا لا يكون الشيء غير نفسه . . وبهذا ندرك السر البليغ العميق في قوله تعالى : ( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) . والخلاصة انه لا تأثير لمحمد ( ص ) ، ولا لغيره في شيء من خير الطبيعة وشرها . وقد اشتهر عن الرسول الأعظم أنه قال حينما انكسفت الشمس عند موت ولده إبراهيم : الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه يجريان بأمره مطيعين له ، لا ينكسفان لموت أحد ، ولا لحياته . ( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) . وتسأل : ان اللَّه سبحانه أصاف في الآية الأولى كلا من الحسنة والسيئة إلى نفسه ، حيث قال : ( كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) وفي الآية الثانية أضاف الحسنة إليه ، والسيئة إلى العبد ، فما هو وجه الجمع ؟ الجواب : قدمنا ان المراد بالحسنة في الآية الأولى خير الطبيعة ، وبالسيئة شرها ، وانهما من ظواهر الطبيعة ، وهي من صنع اللَّه ، فصحت نسبتهما إليه تعالى بهذا الاعتبار . أما المراد بالحسنة في الآية الثانية فهو نجاح المرء في هذه الحياة دينا ودنيا ، والمراد بالسيئة فشله وخذلانه فيهما ، وقد نسب اللَّه سبحانه هذا النجاح المعبر عنه بالحسنة ، نسبه إلى نفسه بالنظر إلى أنه تعالى قد زوّد الإنسان بالصحة والإدراك ، وأمره بالعمل من أجل سعادته في الدارين ، فإن امتثل وعمل وبلغ