تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
ليست منه ، وإنما هي من اللَّه وحده ، والنبي لسانه وبيانه . ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) . المعنى انهم لا يؤمنون ، حتى يعلموا علم اليقين ان حكمك هو حكم اللَّه بالذات ، وان من ردّ عليك فعلى اللَّه يرد . . ومحال أن يشعر المؤمن حقا بالضيق والحرج من حكم يعلم أنه من عند اللَّه . . أجل ، قد يريد بينه وبين نفسه أن يكون الأكل مباحا في شهر رمضان - مثلا - ، ولكنه مع ذلك يصوم ويمتنع عن الأكل خوفا من عذاب اللَّه الذي هو أشد وأشق من الصيام ، وقد تغلبه نفسه على المعصية ، ولكنه يتألم ويتبرم منها ، ويلعنها ، لأنها استثقلت الحق . . وهذا عين الايمان . ( ولَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) . ان دين اللَّه سعة ويسر ، وخير وصلاح ، فلا يكلف أحدا فوق طاقته ، ولا بغير منفعته دينا ودنيا ، قال تعالى : « وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ - 78 الحج » . وقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ - 24 الأنفال » . وعليه فإن اللَّه سبحانه لا يأمر بالخروج من الديار ، ولا بقتل النفس الا ما كان من الإسرائيليين لأمر استحقوا من أجله هذا القتل . وتسأل : إذا كان الأمر كذلك فلا وجه لقوله تعالى : ( ولَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) لأنه أمر بما لا يطاق ؟ . الجواب : ان هذا مجرد فرض ، ولذا جيء ب ( لو ) التي تدل على امتناع شيء لامتناع غيره ، والغرض من هذا الفرض أن يبين اللَّه سبحانه ان المنافقين لا عذر لهم إطلاقا في العناد والتمرد على أحكامه سبحانه ، حيث لا مشقة فيها ولا إرهاق ، بل هي رحمة لهم ، وسعة عليهم ، ومع هذا عصوا واستنكفوا . وإذا استنكف المنافقون واضرابهم عن طاعته جل وعلا ، على ما فيها من سهولة ويسر فإن في صحابة الرسول ( ص ) من لو أمر بقتل نفسه لفعل ، والى هؤلاء أشار تعالى بقوله : ( إِلَّا قَلِيلٌ ) ومن هذا القليل ياسر وزوجته اللذان استشهدا في التعذيب من أجل الإسلام ، وولدهما عمار الذي قتلته الفئة الباغية يوم صفين ، وكان في مناجاته يخاطب اللَّه ، ويقول : اللهم انك تعلم لو اني أعلم ان مرضاتك
التفسير الكاشف — صفحة 370 | محمد جواد مغنية