تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
الجواب : القصد إلقاء الحجة على المنافقين الذين عصوا الرسول ، ورفضوا التحاكم إليه . . ووجه الحجة ان اللَّه سبحانه بيّن للمنافقين وغيرهم في هذه الآية ان معصية الرسول ليست معصية له بالذات ، وانما هي معصية للَّه ، حيث أبى إلا أن يجري الأمور على سننها : ومن هذه السنن أن يبلغ أحكامه لعباده بواسطة رسول منهم ، وعلى هذا فمن عاند الرسول فيما يبلغه من أحكام اللَّه فقد عاند اللَّه ، والى هذا المعنى يشير قوله تعالى : ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) . والنتيجة ان المنافقين ، وكل من يعصي اللَّه مستحقون للعقاب لأنهم عصوا اللَّه وخالفوه . ( ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهً واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهً تَوَّاباً رَحِيماً ) . ظلموا أنفسهم ، حيث عرضوها للعذاب والهلكة بما اقترفوا من ذنوب ، وظلموا اللَّه أيضا بتجاوز حدوده ، وعصيان أوامره ، وظلموا النبي ( ص ) ، لأنهم رفضوا حكمه ، وارتضوا حكم الطاغوت ، وأظهروا له خلاف ما يضمرون . وبالرغم من هذا كله فان اللَّه قد فتح لهم باب التوبة ، وما عليهم إلا أن يلجوه ، ويطلبوا المغفرة ، فان فعلوا أدخلهم في رحمته ، وان استنكفوا فلا يجدون من دونه وليا ولا نصيرا . وتسأل : ان قوله تعالى : ( واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) يتنافى مع مبدأ الإسلام الذي يرفض فكرة الوسطاء بين اللَّه والناس ؟ . الجواب : أجل ، لا واسطة بين اللَّه وعباده ، ولكن فيما يعود إلى حقوقه تعالى ، والتعدي عليها ، أما التعدي على حقوق الناس فالأمر إليهم ، والصفح عنها يطلب منهم ، لا من غيرهم . . والمنافقون قد آذوا الرسول ، وتعدوا على حقه فكان لا بد في توبتهم ان يظهروا الندم له ، ويطلبوا الصفح منه ، وكل من أظهرت له خلاف ما تضمر فقد ظلمته ، وتعديت على حقه ، بل لو علمت أن ( فلانا ) ظن بك وصفا حسنا ، وما هو فيك ، وعاملك وائتمنك على أساسه ، ثم تجاهلت وأغضيت ولم تلفت نظره ، وعلى الأقل تتهرب منه ، إذا كان كذلك فأنت ظالم له . ( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) ، لأن جميع الأحكام التي تلَّفظ بها محمد
التفسير الكاشف — صفحة 369 | محمد جواد مغنية